Ad image

الحوار الإسلامي الليبرالي إشكالية العلاقة ومنطلقات التقارب (دراسة)

د. جمال نصار
د. جمال نصار أغسطس 30, 2018
محدث 2022/06/01 at 6:37 مساءً

مقدمة:

كلمة الليبرالية مصطلح غير عربي تم نحته من كلمة (Liberalism) اللاتينية، وتعني التحررية، ويعود اشتقاقها إلى لفظ ((Liberalis أو (Liber)، التي تعني الشخص الكريم، النبيل والحر[1].

وقد نشأ مصطلح الليبرالية وتطور بداية من القرن السادس عشر الميلادي، ثم انتقل بعد ذلك إلى العالم العربي، ودخل قاموس الثقافة العربية كغيره من المذاهب والأفكار والفلسفات الوافدة[2].

وتعتبر الليبرالية مصطلحًا غامضًا، لأن معناها وتأكيداتها تبدلت بصورة ملحوظة بمرور السنين[3]،

ويقول رونالد سترومبرج: والحق إن كلمة ليبرالية مصطلح عريض وغامض … ولا يزال حتى يومنا هذا على حاله من الغموض والإبهام[4].

ولهذا المصطلح تعريفات كثيرة ومفاهيم مختلفة بين المفكرين والمنظرين, ولها عدة أبعاد منها ما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو اجتماعي وما هو فلسفي. وبشكل عام يُنظر إلى الليبرالية في هذا العصر على أنها تدعوا إلى دستورية الدولة, والديمقراطية, وحقوق الإنسان, والحرية الفردية في كل شيء، وفي المجال الاقتصادي تدعوا للسوق الحر والملكية الفردية.

ويمكن القول إن الليبرالية هي فلسفة/فلسفات اقتصادية وسياسية ترتكز على أولوية الفرد، بوصفه كائنًا حرًا. فمقولة الحرية هي المقولة المركزية التي يحرص المذهب الليبرالي على إبرازها في تحديد ذاته، ونقد مخالفه؛ وكأنه هو وحده الذي ينزع نحو الحرية ويحلم بتجسيدها[5].

والليبرالية كغيرها من المذاهب السياسية والاجتماعية تعدّ نمطًا فكريًا عامًا، ومنظومة متشابكة من المعتقدات والقيم، تشكلت عبر قرون عدة[6]

وقد ساهم عدد كبير من المفكرين في صياغة الفلسفة الليبرالية كان من أبرزهم، جون لوك (1632-1704م)، وآدم سميث (1723-1790م) وجيرمي بنثام (1748-1832م)، وجون ستيوارت مل (1806-1873م)، وجان فرانسوا فولتير (1694-1778م)، وجان جاك روسو (1712-1778م) وأليكسيس دي توكفيل (1805-1859م) وغيرهم.

وفكرة الليبرالية الأساسية في الاقتصاد هي الحرية الاقتصادية، بمعنى عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، أو أن يكون تدخلًا محدودًا وعلى أضيق نطاق، فواجبات الدولة محدودة، يجب أن لا تتجاوزها[7].

وتعود جذور الليبرالية – أيضًا – إلى أفكار جون لوك، الذي يؤكد على فكرة “القانون الطبيعي”، ووفقاً لهذه الفكرة فإن للأفراد بحكم كونهم بشراً حقوقاً طبيعية غير قابلة للتصرف فيها، كحرية الفكر وحرية التعبير، والاجتماع، والملكية[8].

وقد شكلت هذه الفكرة إلهامًا للثورات الكبرى في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كالثورة الإنجليزية (1688م)، والأمريكية (1773م)، والفرنسية (1789م)، وما نتج عنها من نظم سياسية ليبرالية تبلورت معالمها في القرن التاسع عشر بوضوح أكبر[9].

وتعد أفكار المدرسة النفعية، وعلى وجه الخصوص أفكار جيرمي بنتام (1748-1832م) مصدرًا رئيسًا للفكر الليبرالي، وقد عبر عنها بوضوح في كتابه “نبذة عن الحكم” الصادر (1776م)، والفكرة النفعية ترسي قواعد القانون والدولة والحرية على أساس نفعي؛ فالحياة يسودها “سيدان” هما الألم واللذة؛ فهما وحدهما اللذان يحددان ما يتعين فعله أو عدم فعله، فليترك الفرد حرًا في تقرير مصلحته بداع من أنانيته، وسعيًا وراء اللذة، واجتنابًا للألم.

والمحصلة هي حياة اجتماعية أكثر سعادة[10]، وفقاً لمبدأ “أعظم سعادة لأكبر عدد”، كمبدأ أخلاقي جديد للتمييز بين الخير والشر[11].

وهناك إشكالية يتم طرحها من حين لآخر في المقاربة بين الإسلام والليبرالية، وهل هناك تعارض حتمي بين الإسلام والليبرالية؟ أم أنه يمكن التآلف الفكري والسياسي بينهما؟

وهل الحرية التي يدعو إليها الإسلام تتقارب مع الحرية الليبرالية التي تمثل العمود الأساس لها، وتُعتبر من أهم مبادئها، أم أن هناك خلافات جوهرية في المفهوم والممارسة؟

وما هو أوجه التعارض بين الليبرالية وبين الدين الإسلامي؟

وما هي المقاربة بين الفكر الليبرالي الغربي والعربي؟

وهل يمكن التوفيق بين مبادئ الإسلام الأساسية وقواعد الفكر الليبرالي؟

كل هذه الأسئلة وغيرها تحاول الدراسة الإجابة عنها من خلال المحاور التالية:

  • المباديء العامة لليبرالية
  • مجالات الليبرالية في الفكر الغربي
  • موقف الليبرالية من الدين .. نظرة نقدية
  • سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية 
  • الخطاب الليبرالي العربي وتناقضاته
  • هل يمكن أن يكون هناك تقارب في المفاهيم بين الإسلام والليبرالية؟

المباديء العامة لليبرالية

تؤمن الليبرالية[12] بجملة من القيم والمباديء الأساسية التي تُبني عليها النظرية الليبرالية بشكل عام، من أهمها:

أولًا: الحرية: حيث تأتي في مقدمة المبادئ، حتى أنها اكتسبت اسمها من هذه القيمة، ويرى البعض أن الموقف الليبرالي هو التعبير الطبيعي عن الإيمان بالحرية[13]؛ فالهدف الأساس للمذهب الليبرالي هو ضمان الحرية أو التحرر، وغياب القيود والموانع المعيقة لحركة الإنسان ونشاطه، على أساس أنها تتعلق بممارسة الإنسان لحقوقه الطبيعية[14].

واعتبار أن الحرية شرط لا غنى عنه لتمكين الأفراد من تنمية قدراتهم ومهاراتهم وتحقيق ذواتهم بما يتفق مع رغباتهم ويحقق لهم الرضا. ويشمل هذا المفهوم حق الفرد، متى ما بلغ سن الرشد، في اختيار مأكله وملبسه وعمله ومعتقده وقراءاته وشريكة حياته وطريقة إنفاق ماله أو قضاء وقته أو تحديد نوع نشاطه أو اختيار أصدقائه دون وصاية من أي سلطة كانت. غير أن هذا لا يعني طبقًا للمفهوم الليبرالي الحديث منح الأفراد حرية مطلقة غير محددة. فحرياتهم مقيدة بعدم الإساءة إلى الآخرين أو إلحاق الضرر بهم أو تجاوز القانون والنظام.  

ثانيًا: الاهتمام بالفرد: فالمذهب الليبرالي يؤمن بقيمة مهمة وأساسية بالنسبة لبنائه الفكري، وهي الفردية، فالفرد –هنا- هو الأساس، وواجب الدولة والمجتمع حماية استقلاله، وتسهيل سعيه لتحقيق ذاته، وإتاحة المجال أمامه للاختيار الحر[15].

وأعلت الليبرالية كثيرًا من قيمة الملكية كأحد الحقوق الطبيعية للفرد، يتوجب صونها من كل تعدٍ أو جور[16]، وهذا كله بطبيعة الحال من منطلق أن الفرد متى كان معترفًا به ككيان قائم بذاته له استقلاليته وكينونته واحتياجاته وطموحاته الفردية، يستطيع التصدي لمشاكل المجتمع بطريقة أفضل ويقدر على الإنجاز والإبداع والإبهار لصالح وطنه، والعكس بالعكس.

وهكذا فإن الليبراليين يعطون أهمية قصوى للفرد تفوق أهمية الجماعة، ويعتبرون أن وظيفة المجتمع هو حماية مصالح واحتياجات الفرد، وأن كرامة ومساواة الأفراد يجب أن تكونا غاية وليستا وسيلة لبلوغ أهداف جماعية. لكنهم في الوقت نفسه وكنتيجة للتطور الذي ادخلوه على مفاهيمهم يؤكدون على أهمية المسئولية الاجتماعية.

ثالثًا: المساواة: تحدثت الليبرالية عن المساواة بأشكالها السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، وفي الحراك الاجتماعي[17]، فالجميع متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز قائم على النوع أو الجنس أو اللون أو المذهب أو الدين أو الخلفية الاجتماعية. ومن هنا كانت مناداتهم بأن تكون للأفراد فرص متساوية لتنمية ذواتهم وبالتالي فرصًا متساوية للصعود اجتماعيًا ووظيفيًا.

ومن هنا أيضًا كانت معارضتهم لتدخل الدولة من أجل فرض المساواة فرضًا وذلك انطلاقًا من أن الأفراد لم يولدوا متساوين في مواهبهم وملكاتهم. غير أن هذه المعارضة لتدخل الدولة تصبح مقبولة إن كانت بغرض القضاء على التمييز وحماية تكافؤ الفرص.

رابعًا: إعلاء قيمة العقل: حيث يتم إخضاع كل شيء لحكم العقل، بمعنى توظيف هذه الآلة الجبارة في التوصل إلى الحقائق والاستنتاجات دون وصاية خارجية سواء من سلطة الاستبداد السياسي أو سلطة الاستبداد الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال نقيض منح الفرد إجازة لعقله، ومن هنا تعطي الليبرالية قيمة كبرى للمعرفة والتعليم كوسيلة أساسية للارتقاء وتنمية الفرد والمجتمع، كما تعطي أهمية للحوار والنقاش والجدل والبحث النقدي باعتبار أن هذه الطرائق كفيلة بالتوصل إلى نتائج عقلانية ومنطقية.

خامسًا: التسامح والتعددية: حيث تذهب الليبرالية إلى التشديد على مفهوم التسامح وقبول الاختلاف والتنوع وترسيخه كثقافة مناقضة للقمع ومصادرة الحريات وفرض الرقابة والإقصاء والتخوين والهيمنة من طرف ضد أطراف أخرى. وبعبارة أخرى تسعى الليبرالية إلى إقامة مجتمع تعددي يعمل على تمكين مختلف الأطياف فيه بحرية، وباعتراف متبادل تحت مظلة القانون.

ويمكن القول إن الليبرالية – كما وضعها مؤسسوها – تؤمن بالنزعة الفردية التي تعتمد على ضمان حقوق الإنسان الأساسية المتمثلة بحرية الفكر، والتسامح، وصون كرامته، والحفاظ على حقوقه في الحياة، والتعبير عن رأيه، وتحقيق العدالة والمساواة أمام القانون، وتُحافظ الدولة الليبرالية بطبيعتها على موقف محايد لها بعيدًا عن الانحياز لطيف من أطياف الشعب، ولا تفرض أي تدخل من قبلها بالأنشطة الاقتصادية أو الاجتماعية إلا في حال انتهاك مصالح فرد ما[18].

مجالات الليبرالية في الفكر الغربي

أخذت الليبرالية أطوارًا متعددة بحسب الزمان والمكان وتغيرت مفاهيمها في أطوارها المختلفة، وهي تتفق في كل أطوارها على التأكيد على الحرية وإعطاء الفرد حريته وعدم التدخل فيها.

ويمكن أن نشير إلى طورين مهمين فيها:

أولًا: الليبرالية الكلاسيكية: يعتبر جون لوك (1704م) أبرز فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، ونظريته تتعلق بالليبرالية السياسية، وتنطلق نظريته من فكرة العقد الاجتماعي في تصوره لوجود الدولة، وهذا في حد ذاته هدم لنظرية الحق الإلهي التي تتزعمها الكنيسة.

وقد تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بأن السلطة أو الحكومة مقيدة بقبول الأفراد لها ولذلك يمكن بسحب السلطة الثقة فيها[19].

وهذه الليبرالية الإنكليزية هي التي شاعت في البلاد العربية أثناء عملية النقل الأعمى لما عند الأوربيين باسم الحضارة ومسايرة الركب في جيل النهضة كما يحلو لهم تسميته.

وقد أبرز آدم سميث (1790م) الليبرالية الاقتصادية وهي الحرية المطلقة في المال دون تقييد أو تدخل من الدولة.

وقد تكونت الديمقراطية والرأسماليّة من خلال هذه الليبرالية، فهي روح المذهبين وأساس تكوينها، وهي مستوحاة من شعار الثورة الفرنسية “دعه يعمل” وهذه في الحرية الاقتصادية “دعه يمر” في الحرية السياسية.

ثانيًا: الليبرالية المعاصرة: تعرضت الليبرالية في القرن العشرين لتغيّر ذي دلالة في توكيداتها. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأ العديد من الليبراليين يفكرون في شروط حرية انتهاز الفرص أكثر من التفكير في شروط من هذا القيد أو ذاك. وانتهوا إلى أن دور الحكومة ضروري على الأقل من أجل توفير الشروط التي يمكن فيها للأفراد أن يحققوا قدراتهم بوصفهم بشرًا.

ويحبذ الليبراليون اليوم التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد من أجل صالح المنفعة العامة. وفي الواقع، فإنهم يؤيدون برامج الحكومة لتوفير ضمان اقتصادي، وللتخفف من معاناة الإنسان.

وهذه البرامج تتضمن: التأمين ضد البطالة، قوانين الحد الأدنى من الأجور، ومعاشات كبار السن، والتأمين الصحي.

ويؤمن الليبراليون المعاصرون بإعطاء الأهمية الأولى لحرية الفرد ، غير أنهم يتمسكون بأن على الحكومة أن تزيل بشكل فعال العقبات التي تواجه التمتع بتلك الحرية.

واليوم يطلق على أولئك الذي يؤيدون الأفكار الليبرالية القديمة: المحافظون[20].

ونلاحظ أن أبرز نقطة في التمايز بين الطورين السابقين هو في مدى تخل الدولة في تنظيم الحريات، ففي الليبرالية الكلاسيكية لا تتدخل الدولة في الحريات بل الواجب عليها حمايتها ليحقق الفرد حريته الخاصة بالطريقة التي يريد دون وصاية عليه، أما في الليبرالية المعاصرة فقد تغير ذلك وطلبوا تدخل الدولة لتنظيم الحريات وإزالة العقبات التي تكون سببًا في عدم التمتع بتلك الحريات.

وهذه نقطة جوهرية تؤكد لنا أن الليبرالية اختلفت من عصر إلى عصر، ومن فيلسوف إلى آخر، ومن بلدٍ إلى بلدٍ، وهذا يجعل مفهومها غامضًا كما تقدم.

وقد تعددت مجالات الليبرالية بحسب النشاط الإنساني، لأنها تتعلق بإرادة الإنسان وحريته في تحقيق هذه الإرادة فكل نشاط بشري يمكن أن تكون الليبرالية داخلة فيه من هذه الزاوية.

ومن أبرز هذه المجالات: المجال الفكري، والسياسي، والاقتصادي.

أولًا: المجال الفكري: الليبرالية في أصلها فكرة فلسفية تقوم على تعظيم شأن الفرد، وتوسيع نطاق حريته، حيث كانت نشأتها ردة فعل عكسية لواقع محتقن، سببته سيطرة الكنيسة على مجريات الأمور.

وبعد أن انحسر دور الكنيسة، وانطلقت الثورة الصناعية في أوروبا، وتغلغلت مبادئ الثورة الفرنسية عن الحرية والإخاء والمساواة، نشأت طبقة جديدة استكملت بنيتها الاجتماعية، وأسست في نهاية الأمر عصر جديد. وعبر هذه المغامرة تشكلت رؤى جديدة وأساليب مبتكرة، وأخلاقيات عملية، واكبت الطبقة الوسطى التي سيطرت على مقاليد الأمور، وقد سعت هذه الطبقة لتأكيد وجودها، وفرض سيطرتها بثلاثة أمور:

  1. وضع تصور أخلاقي جديد يحمل طابعًا دنيويًا (علمانيًا).
  2. تحجيم السلطة بصورتها المطلقة سابقًا.
  3. الثورة ضد القيود المعارضة للحرية الفردية في سائر المناحي الفكرية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، المتمثلة في سلطة الدين، أو الدولة أو المجتمع[21].

ومن ثم ينتفي المطلق ليحل محله النسبي، والإلهي ليخلفه الإنساني، ومن هذا المنطلق استخدمت الحرية بمستوياتها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والدينية بوصفها وسيلة لا كغاية[22].

ويشكل الجانب الفكري المجال الأهم في المنظومة الليبرالية، وإن كان زمنيًا، لم يتبلور بشكل واضح إلا تاليًا لبعض المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية، بحسب ترتيب الأولويات لدى الطبقة المنتفعة من هذا التوجه[23].

والليبرالية في مجالها الفكري[24] تلتقي بوضوح مع النزعة الإنسانية، في كون الإنسان مقياس كل شيء، وهو الذي يضع المعايير الخاصة للخطأ والصواب، والخير والشر، والجميل والقبيح، والإنسان بعد ذلك هو السيد الأوحد في هذا الكون. فجوهر النزعة الإنسانية هو الدعوة لتحرير الإنسان من كل سلطة خارج حدوده، وتحريره من فكرة الإله، والكنيسة، وسلطة العادات. وهذه الأفكار تطورت فيما بعد وتشكلت مكونة مضمون الفكرة الليبرالية.

وقد ارتبطت الليبرالية الفكرية بجهود جون ستيوارت مل حيث انتقل من الكلام عن ليبرالية الدولة إلى ليبرالية المجتمع، وبرز الحديث حول حرية الفكر والرأي والتسامح الديني. وأن الحضارة إنما تبنى على أساس التسامح الديني الذي لا يقطع صاحبه برأي أو دين معين[25].

ثانيًا: المجال السياسي: اقترنت النظم السياسية الغربية بأفكار الليبرالية وقيمها، وهي نظم دستورية حيث تحد من سلطة الحكومة، وتحافظ على الحريات المدنية، ومن أبرز المعالم السياسية للفكر الليبرالي نظرية العقد الاجتماعي، باعتبارها النظرية السياسية في تكوين الدولة وعلاقتها بحقوق الأفراد، وفصل السلطات باعتباره أهم ضمانات الحقوق الفردية، وحدود سلطة المجتمع على الأفراد، وحرية التعبير.

فالحرية الفردية – إذن – تشكل الأساس المشترك المتفق عليه في الفكر الليبرالي، ومن ثم تعد علاقة الفرد بالدولة أو المجتمع قضية محورية وشائكة في نفس الوقت، حصل التوافق على أصلها، وتعددت المنطلقات في تفاصيلها. ويؤكد هذا المعنى جون سيتوارت مل بقوله: “ولا تزال مسألة اهتداء إلى الحد الفاصل وإلى طريقة التوفيق بين استقلال الفرد وسلطة المجتمع من أعوص المشاكل”[26].

وتعتبر الديمقراطية من النظم الليبرالية التي تسعى لإعطاء الفرد حقوقه وهي نوع من التطبيق العملي للفكر الليبرالي، “فنقطة البدء في الفكر الليبرالي هي ليس فقط أنها تدعو للديمقراطية بمعنى المشاركة في الحكم ، ولكن نقطة البدء هو أنه فكر فردي يرى أن المجتمع لا يعدو أن يكون مجموعة من الأفراد التي يسعى كل فرد فيها إلى تحقيق ذاته وأهدافه الخاصة[27].

ولم تظهر الليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًا قبل القرن التاسع عشر، ولكنها قامت بوصفها أيدلوجية على أفكار ونظريات تنامت قبل ثلاثة قرون، حيث نشأت الأفكار الليبرالية مع انهيار النظام الإقطاعي في أوروبا، والذي حلّ محله المجتمع الرأسمالي، أو مجتمع السوق الحر، كما عبّر عن ذلك فوكوياما[28].

وانتقد الليبراليون الامتيازات السياسية والاقتصادية لدى ملاك الأراضي، والنظام الإقطاعي الظالم، حيث كان الوضع الاجتماعي يحدد حسب الموْلد، كما ساندوا الحركات السياسية التي تنادي بحرية الضمير في الدين وتشكك في السلطة المستقرة للكنيسة[29].

وتعود علاقة الفرد بالسلطة في الفكر الليبرالي، إلى ما يعرف بالحقوق الطبيعية السابقة للدولة والسلطة، والتي تفترض أن الناس كانوا في الأزل أحرارًا دون سلطة تحد من رغباتهم أو قانونًا يقيد شيئًا من حرياتهم، حيث كان قانون الطبيعة كافيًا لتنظيم شؤون الناس وطبيعة العلاقة فيما بينهم. وبسبب خوفهم من الوقوع في الفوضى، قادهم إلى البحث عن أمر ينظم حياتهم، ويحفظ لهم حرياتهم، فكانت نظرية العقد الاجتماعي التي وضعها هوبز.

إذن يمكن القول إن الليبرالية السياسية[30] تعني:

  • أن الأفراد هم أساس القانون والمجتمع، وأن المجتمع ومؤسساته قامت من أجل الوفاء بأهداف الفرد. ومن ثمّ لا يجوز للمجتمع أو الدولة المساس بحريات الأفراد تحت أي مسوغ باستثناء ما كان من قبيل حماية المجتمع نفسه من الفرد.
  • وأنها نظام سياسي يقوم على ثلاثة أسس، هي: (العلمانية)، بمعنى فصل الدين عن الدولة، و(الديمقراطية)، بمعنى التعددية والحزبية والنقابية والنظام الانتخابي، و(الحرية الفردية)، بمعنى كفالة حرية الأفراد.
  • لا تعترف بالهيمنة المطلقة للقوانين والأديان، وإنما تعترف بهيمنة تلك القوانين والأديان، ما دامت تحترم جوهر الفلسفة الليبرالية القائمة على الحرية الشخصية، حتى لو اصطدمت تلك الحرية بالثوابت المطلقة للدين.
  • تقوم الليبرالية السياسية على الفصل بين السياسي والأخلاقي، فليس لمنظومة الأخلاق والقيم مكان في الرؤية السياسية الليبرالية، وإنما هي قائمة على النفعية، كما عبر عن ذلك “جون ستيوارت مل” في أكثر من موضع أثناء حديثه عن الحرية الليبرالية[31].

ثالثًا: المجال الاقتصادي: الليبرالية الاقتصادية: “مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية، ولا وظائف تجارية، وأنها لا يحقّ لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم. بهذا المعنى يقال غالبًا ليبرالية اقتصادية”[32].

وهي ذلك النوع من الليبرالية الذي ينظر إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج على أنه يوفر أكبر قدر من الحرية لأفراد المجتمع، ويضمن لهم المساواة بفعل آليات السوق المتمثلة في توازن العرض والطلب والأسعار؛ وبالتالي تذهب الليبرالية الاقتصادية إلى أن الأفراد إذا تركوا لشأنهم، وإذا ما أعطوا حرية الإنتاج والبيع والشراء تعاظمت ثروة المجتمع[33].

وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية هو نظام “الرأسمالية” الذي رتّب أفكاره عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم).

ويدخل في الحرية التي يطالب بها الليبراليون حرية حركة المال والتجارة، وحرية العمل وحرية التعاقد، وحرية ممارسة أي مهنة أو نشاط اقتصادي آخذًا من الشعار الشهير للثورة الفرنسية “دعه يعمل دعه يمر”، وأكدت الليبرالية الاقتصادية “على المنافسة الحرة والتجارة الحرة، والبنوك الحرة، وبضرورة وجود معدل تنافسي للفائدة، وإزالة العوائق القانونية أمام التجارة، ووقف المزايا التي تمنحها الحكومة مثل الدعم والاحتكار”[34].

وللعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجرة التي يريد[35].

والليبرالية ترى أن الرغبة في الحصول على الربح هي العامل المؤثر في حركة النشاط الاقتصادي، وأن الفرد حين يعمل على تحقيق مصلحته الفردية إنما يحقق في الوقت نفسه مصالح المجتمع كله.

أما دور الدولة في هذا الفكر فيبقى في حدود وظيفتها الطبيعية، وهي حراسة القانون الطبيعي من أية محاولة لتعويق فعاليته، وذلك بأن توفر للناس في المجتمع الأمن الخارجي، والأمن الداخلي، وتنفذ ما يصل إليه الناس بإرادتهم الحرة.

وقد عبّر آدم سميث – أبو الليبرالية الاقتصادية – عن فكر الليبرالية، وعن وظيفة اليد الخفية[36]، التي تتلخص فكرتها في أن تطور المجتمع يحتاج إلى تمكين الفرد من مزاولة أقصى درجات حريته في المنافسة، وأن البقاء للأصلح والأقوى.

وقد مرت الليبرالية الاقتصادية بتطورات عدة يمكن إجمالها في ثلاث مراحل أساسية، هي:

  1. المرحلة الأولى: مرحلة الليبرالية الأولى التقليدية، أو الكلاسيكية، التي امتدت من منتصف القرن الثامن عشر (عصر التنوير) إلى أزمة الكساد العالمي في العام 1929م، وتعد هذه المرحلة مرحلة الحرية الاقتصادية، والدولة الحيادية غير المتداخلة في أنظمة السوق (الدولة الحارسة). ومن أبرز شخصيات هذه المرحلة: آدم سميث (1723-1790)، وديفيد ريكاردو (1772-1823)، وجيرمي بنتام (1784-1832)، وتوماس مالتوس (1766-1834)
  2. المرحلة الثانية: مرحلة الليبرالية المنظمة (الليبرالية الاجتماعية المعاصرة) الممتدة من سنة 1929 حتى بداية السبعينيات في القرن العشرين، وفي هذه المرحلة تدخلت الدولة في النشاط الاقتصادي لإحداث توازن بين العرض والطلب، وبدأ الليبراليون بدعم الفكرة القائلة بأنه باستطاعة الحكومة تعزيز حرية الفرد إيجابيًا عبر التدخل المنظم في النظام الاقتصادي، ويعتبر جون ماينارد كنز (1883-1946) من أشهر روادها.
  3. المرحلة الثالثة: الليبرالية الجديدة، أو النيوليبرالية، التي بدأت في عصر السبعينيات من القرن العشرين، وهي العودة إلى المفاهيم الأولى لليبرالية التقليدية، من حيث إعادة الاعتبار إلى حرية الأسواق والحد من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وإطلاق المبادرة الفردية لرأس المال وتحريره من كل قيد، وإلغاء الملكيات العامة، ووضعها تحت تصرف رأس المال الخاص فيما سمي بالخصخصة، ومن أبرز دعاة هذا التيار: فريدريك فون هايك (1899-1992)، وريمون آرون (1905-1983)، وميلتون فريدمان (1912-2006)، وتتبناها حاليًا المنظمات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي[37].

وإذا كانت الليبرالية الاقتصادية، فجّرت إمكانيات هائلة للثروة الصناعية، وحققت تقدمًا في قوى الإنتاج والدخل كما حققت التراكم الرأسمالي، إلا أنها أنتجت شرورًا اجتماعية عديدة، منها: استغلال العمال والنساء والأطفال، وإشاعة البطالة نتيجة المنافسة الشديدة، والتفاوت الكبير في الثروات والدخول، وهو ما نجم عنه أزمات اقتصادية متوالية، والتطاحن الضاري على الأسواق الخارجية ومنابع المواد الأولية، بالإضافة إلى انتشار الاستعمار في جميع الاتجاهات على حساب السكان الأصليين، ونهب ثروات العالم المستضعف، كما قضت على المنافسة العادلة، وأنتجت الاحتكارات الكبرى[38].

موقف الليبرالية من الدين .. نظرة نقدية

الليبرالية من الناحية الفكرية تعني “حرية” الاعتقاد والتفكير والتعبير، ومن الناحية الاقتصادية تعني “حرية” الملكية الشخصية، و”حرية” الفعل الاقتصادي المنتظم وفق قانون السوق، وعلى المستوى السياسي تعني “حرية” التجمُّع وتأسيس الأحزاب واختيار السُّلطة، وهكذا نلاحظ أن مقولة الحريَّة لا تشكِّل فقط مبدأً من جملة مبادئ، بل هي مرتكز لتأسيس غيره من المبادئ.

ونستنتج من ذلك أن الليبرالية تُقدِّس الحرية الفردية وتقدمها على ما سواها، “فهي مذهب إنساني مادي ينطلق من الإنسان ويتوجه إليه وينتهي به، معليًا من قيمة الإنسان فلا يكون تابعًا إلا لنفسه، ولا ممنوعًا من شيء إلا من تلقاء ذاته”[39].

في مقابل ذلك نجد أن مفهوم (الدين)[40] يقوم على مبدأ التسليم والانقياد والطاعة للإله والتذلل والخضوع للرب المعبود على اختلاف واسع بين أرباب الديانات السماوية، فجميع هذه الديانات تحدد الطاعات والعبادات التي يتقرب بها العبد لربه، وأنه لابد أن يأتمر بما أمره به الرب من الالتزام بالتعاليم الدينية في الحياة.

وإذا تتبعنا جذور الليبرالية نجد أنها نشأت في كنف الفكر الغربي، إبّان ثورته على مظاهر الاستبداد في أوروبا المتمثل في (الإقطاع والكنيسة والملوك)، حيث ظهرت الليبرالية الاقتصادية للتحرر من تسلط الإقطاع، وظهرت الليبرالية الفكرية للحد من تسلط الكنيسة، وظهرت الليبرالية السياسية في مقابل تسلط الملوك والنبلاء.

ولم تعرف أوروبا من الدين سوى دين بولس المحرّف عن مسيحية عيسى -عليه السلام- والذي تبنته الكنيسة الكاثوليكية بعد مجمع نيقية المسكوني سنة (325م)، واستمر هذا التحريف على يد رجال الكنيسة المتحكمين في الناس باسم الحق الإلهي الممنوح لهم، ولمن يمنحوه من الملوك وذوي السلطان.

فقد ورد في بيان البابا نقولا زيادة: “إن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكامًا كانوا أو محكومين”[41].

وقال الحبر وليام تامبل: “من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها”[42].

وقد عاشت أوروبا على هذا الفكر قرونًا عديدة إلى أن جاء (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر، بثورته الاحتجاجية التي أسماها الإصلاح الديني، والتي أسقط من خلالها الكثير من العقائد المسلّمة للكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت، وتولّدت على إثرها البروتستانتية، التي كان لها فيما بعد الدور الأكبر في نشأة الليبرالية.

وما إن أعلن مارتن لوثر عن أفكاره الاحتجاجية على الكنيسة الكاثوليكية إلا وتسابق الناس على تأييده والإيمان بما جاء به، للتخلص من هيمنة وطغيان الكنيسة الذي جثم على صدورهم لقرون، ومن ثمّ تخلوا عن الدين، بالرغم من تحريفه نكاية في الكنيسة التي سيطرت على مقاليد الأمور وقيدت حرياتهم.

يقول رونالد سترومبرج: “لا خلاف أن انفجارات الإصلاح الديني مزقت الوحدة الدينية إربًا إربًا، وقذفت أوروبا إلى متاهات الفوضى والاضطراب، وولدت مذهبًا شكيًّا ترعرع على اشمئزاز المفكرين والأدباء من التعصب اللاهوتي”[43].

وحدثت صراعات بالغة العنف بين الدين والعلم التجريبي من جهة والدين والعقل من جهة أخرى، حيث شكل الصراع بين العلم والدين مشكلة تعد من أعقد المشكلات في تاريخ الفكر الأوروبي حقق فيها العلم التجريبي انتصارات متتالية على حساب الدين بمفهومه الكنسي، لسببين:

الأول: تحريف حقائق الوحي الإلهي من قبل الكنيسة وخلطها بكلام البشر، حيث تحولت الخرافات الوثنية، والمعلومات البشرية إلى عقائد إلهية في صلب الدين وصميمه.

الثاني: فرض الوصاية الطاغية من قبل الكنيسة على ما ليس داخلا في دائرة اختصاصها، حيث توهمت أن في قدرتها امتلاك الحقيقة العلمية دون اعتبار للتجربة المحسوسة، أو النظر العقلي السليم، إذا لم تكن التعاليم الكنسية قد جاءت به[44].

ومع مرور الوقت زادت الثقة بقيمة النظريات المخالفة لما تدعيه الكنيسة، وهو ما أفقد الكثيرين ثقتهم في الكنيسة، وأدت إلى التشكيك في معلوماتها. يقول هوايت هد: “ما من مسألة ناقض العلم فيها الدين إلا وكان الصواب بجانب العلم والخطأ حليف الدين”[45].

وهذا شجع جون لوك ليطالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلًا: “من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالًا فقج أطفأ نور كليهما، وكان مثله كمثل من يقنع إنسانًا بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق”[46].

وكان (هوبز) أكثر جرأة وشذوذًا في كتابه الرئيسي (لوياثان)، فيقول: “إن الدين اخترعه الناس بسبب اعتقادهم في الأرواح وجهلهم بالعلل وعبادتهم لما يهابونه”[47].

ومع حلول عصر التنوير في القرن الثامن عشر انحسرت دائرة الدين وضاقت في مقابل اتساع دائرتي تقديس العقل والطبيعة، فالعقل لم يعد مقيدًا بثنائية ديكارت[48] بل أصبح حرًا من كل قيد وحاكمًا على كل شيء. أما الطبيعة فكان ذلك العصر هو عصر تأليه الطبيعة التي حلت بديلا لله ومعبودة من دونه.

ثم تطور المذهب الطبيعي إلى دين الإنسانية الذي نادى به الفيلسوف أوجست كونت (1798-1857) في القرن التاسع عشر، ومنه انبثقت المذاهب المادية ذات الإنكار المطلق الصريح للوحي.

هذا الصراع بين دين الكنيسة والعلم والعقل اقتصر على الطبقات المثقفة والفلاسفة والعلماء دون جماهير الناس وعامتهم حتى وقعت الثورة الفرنسية في عام (1789م) التي كانت في أساسها ثورة دينية[49]، غير أنها تمخضت عن “نتائج بالغة الأهمية، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية لا دينية تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب وليس باسم الله، وعلى حرية التدين بدلا من الكثلكة، وعلى الحرية الشخصية بدلا من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وطني بدلا من قرارات الكنيسة”[50].

ولم تهتم الليبرالية بالجانب الأخلاقي، حيث لم تعد لها قيمة في النظرية الليبرالية، بل مجرد قيم تجارية تقاس كميًا بمبدأ المنفعة، ومردودها الفردي. “لذا يصح القول إن الفلسفة الأخلاقية الليبرالية هي في جوهرها لا أخلاقية، بل لن نبالغ لو قلنا إنه لم يسبق لمذهب فلسفي أن ابتذل الأخلاق وقاس قيمها بأوراق البنكنوت مثلما فعلت الليبرالية”[51].

ولذا أصبح من عقيدة الليبرالية نسبية الحقائق والقيم والأخلاق، وتطورها لكونها نابعة من ذات الإنسان المتغيرة بحسب الزمان والمكان، ولهذا السبب لم يعد هناك قداسة لأي فكرة أو عقيدة أو تعاليم خلا الحرية الفردية[52].

وهكذا وجدت أوروبا نفسها تعيش بلا دين سماوي وتتنكر لكل وحي إلهي وتفاخر بدينها الإنساني الوضعي، ولم يعد بمقدور المجتمع أن يضع حدودًا أو ضوابط للسلوك والأخلاق، أو يوجد ضوابط للأدب، أو الفن، أو الجنس، أو الإجهاض، ولا يحال بين الإنسان وبين التعبير عن رأيه ونشره بكل وسيلة يتمكن منها، مهما كان هذا الرأي أو الفكر، ما لم يتعارض كل ذلك مع حرية الآخرين.

سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية  

أولًا: سؤال الحرية في الفكر الليبرالي:

الحرية مفهوم من المفاهيم الكبرى التي تحكم وعي الإنسان فتحرك مشاعره وتوجه فعله، ولها فعاليتها ورونقها، مثل مفاهيم الحياة والموت والأمل، وهي لذلك من المفاهيم التي يصعب تحديدها تحديدًا جامعًا مانعًا بشكل عام[53].

وسؤال الحرية عبارة عن ملتقى تقاطعات عديدة[54]، فهو سؤال معرفي عمومًا، يطرح معضلة ممكنات وحدود المعرفة، وهو سؤال وجودي يحدد موقع الإنسان داخل الكون، وداخل عالم المخلوقات والأشياء، كما أنه سؤال علائقي يدعو إلى التفكير في أنماط الوجود التي ينفتح عليها الكائن الإنساني، حيث تتعدد المجالات التطبيقية لما يمكن تسميته بتداعيات الحرية، سواء من المنظور السياسي، أو الاقتصادي، أو الديني، أو الفني، أو الأخلاقي، أو التربوي[55].

وإذا تتبعنا فكرة الليبرالية الغربية التي بُنيت على مفهوم الحرية نجد أنها بدأت في عصر النهضة الأوروبية، ثم تطورت في عصر التنوير، وكان أعلى فترة صعدت فيه هو القرن التاسع عشر الميلادي، وهو القمة التي وصلت إليها الليبرالية ولم تعد إلى مستواها بعده، وقد هبطت الليبرالية في القرن العشرين هبوطًا كبيرًا بعد ظهور نتائج الليبرالية الكارثية، ولكنها بدأت مرحلة جديدة بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي[56].

واستخدم أصحاب الفكر الليبرالي الحرية على نطاق واسع، وظهر ذلك في المبادئ التي نادوا بها، وتعتبر الحرية أهم هذه المبادئ، وتعني أن الفرد حر في أفعاله، ومستقل في تصرفاته دون أي تدخل من الدولة أو غيرها، فوظيفة الدولة حماية هذه الحرية، وتوسيعها، وتعزيز الحقوق، واستقلال السلطات، وأن يعطى الأفراد أكبر قدر من الضمانات في مواجهة التعسف والظلم الاجتماعي.

وهذه الحرية التي نادى بها الليبراليون هي: “المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان، وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه”[57]، وكما قيل في تعريف الحرية: هي: “انعدام الموانع والعوائق”[58].

ومن ثمَّ يمكن أن نلاحظ أن الحرية لدى الليبراليين في مجملها لم تكن لها ضوابط حاكمة، بل أقروا أنها حرية مطلقة، دون قيود أو شروط، و”الحرية بمعناها المطلق ليست سوى فوضى أو يوتوبيا حالمة، والحياة المجتمعية بما هي حياة أفراد وجماعات متعالقين بروابط، ومتخالفين في الأذواق والأفكار والمصالح لا بد لكي توجد وتستمر من أن تتأسس على قواعد وأعراف ونظم ومؤسسات ينضبط لها الفعل الفردي ويمتثل”[59].

وقد مرت الحرية في المفهوم الغربي (الليبرالي) بعدة مراحل منذ بداية عصر النهضة الأوروبية إلى عصرنا الحاضر، وكانت انعكاسًا للظروف المحلية في أوروبا، وسيطرت الكنيسة ورجال الدين على مناحي الحياة، ونتيج عن ذلك تولد صراع قوي كان له أثر في ممارسات خطيرة على المستوى الفكري والسلوكي والطبيعي على الإنسان، ويمكن أن نُلخّص ذلك في النقاط التالية:

أولًا: أن الحرية عند الغرب اهتمت بجانب، وأهملت جانبًا آخر؛ فلم يكن هناك توازن واكتمال النمو؛ فقد أهملت الحرية بمفهومها الغربي الجانب الجماعي في الإنسان، وهو في حاجة ورغبة ملحة فيه، فمن المعلوم أن النفس البشرية لها طبيعة مزدوجة بين ميل إلى الذاتية وميل إلى الجماعية، وكلاهما أصيل فيه، فلا بد من العناية بهما معًا وإلا حصل الاضطراب في باطن النفس وفي واقع الحياة، وهذا ما لا يتواجد في الممارسات الإنسانية للحرية.

ثانيًا: أنهم وسعوا في دائرة الحرية؛ حتى خرجوا بالإنسان إلى الأثرة المرذولة وساهموا في تفكيك المجتمع بالآراء الشاذة وتشتيت الطاقات، واعتبروا القيم والمنظومات التربوية المنبثقة من ثقافة المجتمع، وهويته خطأ وعائق يحول دون تقدم المجتمع وتحديثه، وهذه مغالطة فادحة لأن هذه المبادئ ناشئة من داخل كيان الفرد والمجتمع معًا، والمجتمع ما هو إلا تلاقي مجموعة من الأفراد.

ثالثًا: إن خروج الإنسان بدعوى الحرية على ثقافة المجتمع الصحيحة دون رادع، وتنازل المجتمع عن ثقافته نتيجة حتمية لانهيار المجتمع بكارثة تصيبه من الداخل أو الخارج، وتؤدي في النهاية إلى حرمانه مما كان غارقًا فيه من المتاع المباح.

رابعًا: إن الحرية تنفي عن الإنسان كل هدف أبعد من هدف المصلحة المباشرة القريبة، وتنفي عنه عنصر التطلع إلى ما هو أبعد من الذات، ومن ثمّ نتجت عن هذه الحرية عدة ظواهر نفسية سيئة مثل الشعور بالوحدة والنرجسية والانكفاء الذاتي، وكذلك ساهمت في انتشار العلاقات الشاذة مثل: (علاقات البارات، وأماكن المخدرات، وعصابات الجريمة المنظمة)، بل لعبت هذه الحرية في انتشار الظواهر الجديدة كـ(اللواط والجِنْدِر[60])، وأثر ذلك في زيادة انتشار الأمراض الفتّاكة والظواهر البشعة، وكل هذا يمارس باسم الحرية الغربية التي لا تعرف قيودًا ولا انضباطًا.

والحقيقة التي يجب أن نعيها هي طبيعة الحرية التي يجب تتلامس مع الإنسان وتجعله فاعلًا في المجتمع ومتواصلًا بشكل طبيعي مع الآخرين، وليست كما فعل بعض أنصار الحرية المطلقة، وتوهموا أنها انفصال عن الطبيعة واستقلال عن الآخرين[61]  “فليس كل شيء ممكنًا، أو ليس في الإمكان تحقيق أي شيء في أي وقت، كما يزعم أنصار الحرية المطلقة، وإنما يجب أن نعترف بأن للحرية حدودًا، وهذه الحدود نفسها هي بمثابة القوى التي تستند إليها الحرية في نشاطها التحرري”[62].

فللحرية إذن شروط بيلوجية واقتصادية واجتماعية وسياسية، يقوم عليها نشاط تلك الذات الإنسانية التي لا تألو جهدًا في سبيل تحرير ذاتها من أسر الطبيعة[63]. وعلى ذلك يمكن القول إن “الحرية المطلقة مستحيلة على الإنسان، وغير ممكنة، لأن الإنسان محدود القدرة والطاقـة مـن جهة، ويشاركه بقية الناس الحياة من جهة أخرى، لذلك كانت حريته مقيدة، ومحدودة ومحصورة، بل يجب أن تكون منضبطة ومقيدة نظريًا وعمليًا، وذلك في جميع تـصرفاته وحقوقـه وواجباتـه، لأن الحرية المطلقة للإنسان تؤدي إلى الفوضى، والدمار، والتنـاقض، والـصدام، والقتـال، والتمـزق، والتشدد ثم الإبادة”[64].

وقد عبّر عن أزمة الليبرالية أحد مؤرخيها بقوله: “ألا ينبغي الكف عن اعتبار الليبرالية ككتلة واحدة، والبحث عن دروب الحرية بعيدًا عن الليبرالية”[65].

ثانيًا: مفهوم الحرية في الإسلام:

الحرية في الإسلام؛ وصف فطرىّ وخلق كريم وصفة أساسية في الإنسان, وقد خلقه الله تعالي علي هذه الصفة الكريمة، وقدّر له أن يكون حرًا دون اختيار سابق منه لهذه الصفة تكريمًا له، وتهيئة لحمل المهمة الكبرى، وهي إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وهذه العبودية لا بد لها من حرية من رق العباد والتحرر من عبادة ما سواه.

وهي ضرورة من الضرورات الإنسانية، وفريضة إلهية وتكليف شرعي واجب.. وليست مجرد “حق” من الحقوق، يجوز لصاحبه أن يتنازل عنه إن هو أراد[66]، لأن انعدامها يترتب عليه فساد الدين، لأن الأصل في العادات الإباحة، والإباحة تعني حرية الفعل أو الترك، والمباح أوسع الأحكام الشرعية وجودًا، وهي حرية مسؤولة، فبها يصبح الإنسان مسؤولًا ومحاسبًا على أقواله وأفعاله تجاه مجتمعه وذاته.

وهذه “الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء ويترك ما يريد، فذلك ما يتفق مع طبيعة شهوته، ولا يتفق مع طبائع الوجود كما رُكِّب عليه، ولكنها تعني أن يفعل الإنسان ما يعتقد أنه مكلف به، وما فيه الخير لصالح البشر أجمعين. وإيمان الإنسان بأنه مكلف هو أول خطوة في حريته”[67].

ومن النماذج التطبيقية لموقف الإسلام من الحريات:

أولًا: حرية الاعتقاد: فقد كفل الإسلام حرية الاعتقاد للإنسان، فللمرء أن يعتنق ما يشاء من العقائد والأديان، ولكن الله لم يتركه هباءً، بل منحه العقل ليفكر ويتدبّر في الكون وفي نفسه من آيات، ولطف الله به، وأرسل له الرسل لهدايته، وليعلم بعد ذلك أنه سيحاسب على كل ما فعل[68].

  فنرى أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد كفلا حرية العقيدة، فقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون: 1-6). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُطروني[69] كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)[70].

بل جاء الإسلام ليحرر البشرية من كل رق وذل وخضوع لغير الله وجاءت الرسل – عليهم السلام – لرفع الاستعباد عن البشرية للملوك والزعماء مثل فرعون، وغيره.

وقد حرر الإسلام عقل الإنسان من الخرافات والأوهام والظنون الباطلة، واتباع الظن كما في قوله تعالي: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء : 36)، وقوله: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (يونس: 36). ومن هنا فإن الإسلام وهو في أوج قوته وسلطانه، لم يُكره أحدًا على اعتناقه؛ لأن حرية الاعتقاد من أسمى ما تدعوا إليه شريعة الإسلام، ولأن الفرد لابد أن يملأ الإيمان واليقين قلبه بحب هذه الرسالة والإخلاص لها[71]، و”كفل الإسلام لمتبعي الديانات الأخرى حرية ممارسة شعائرهم بحرية وأمن دون إرهاب أو تخويف، سواء من الأفراد أو الحكام”[72].

ثانيًا: حرية الاختيار والإرادة: لقد خلق الله سبحانه الإنسان حرًا مختارًا لفعله، وهو مسئول عنه، ولهذا تترتب الآثار الجزائية في الدنيا والآخرة علي فعله لتمام مسئوليته عنه، وحرية الإنسان في الاختيار ضرورة فطرية يشعر بها الإنسان ولا يستطيع إنكارها[73]، ونفس تكليف الله له أمرًا ونهيًا يدل علي أنه مختار، وإلا لم يبق للتكليف معني لو كان مجبرًا.

إن تكليف الإنسان، وجعله مسؤولاً عن أعماله أمام الله، متحملاً جزاءها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، كل ذلك يقول بحرية إرادة الإنسان للعمل، فالإنسان لديه الإرادة التي تكفي لقيامه بعمل ما دون غيره، هذه الإرادة جعلها الله له من ضرورات حرية التكليف، إذ لا تكليف بغير إرادة، وإلا إذا كان هناك تكليف بغير إرادة، فإن الناس لا تملك من أمرها شيئًا، فمن كتب الله له الجنة فإنه يعمل الخير، وليس بيده أن يتركه، ولا يستطيع أن يرتكب المعاصي، ومن كتب الله له النار فهو يرتكب المعاصي والآثام، لا يستطيع أن يقلع عنها، وليس له أن يفعل الخير. فإذا كان هذا صحيحًا فما الحكمة من الخلق، ووجود الثواب والعقاب؟![74]

   ولكن الحق الذي نؤمن به أن للإنسان إرادة، توفر له القدرة على القيام بعمل ما، واختيار الطريق التي يرغب في سلوكها. إنها إرادة مخلوقة، خلقها الله كما خلق الإنسان، وأودعها نفسه، وجعل العقل والمصلحة والدين والشريعة قبل ذلك، أطر تتصرف في محيطها هذه الإرادة حسب ما يهوى الإنسان.

  ومن ثمّ يمكن القول: “إن الحرية المخلوقة صحيحة كما ينبغي أن تكون في احتمال العقل المدرك المميز الذي يهتدي بإذن الله لما اختلفوا فيه”[75].

لقد “رفع الإسلام قيمة الحرية لدرجة أنه اشترط أن يكون العقل الذي يصل إلى الإيمان بالله وجودًا وألوهية عقلا حرًا، بمعنى أنه غير مكره وليس واقعًا تحت هيمنة تلغي قدرته على الاختيار، وبذلك أصبح مبدأ من مبادئ دخول الإسلام”[76].

ثالثًا: الحرية السياسية: السياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلي الطريق المنجي في العاجل والآجل، وتدبير أمورهم[77]، فخيارات الإنسان مكفولة في الإسلام في مختلف المجالات بما فيها الخيارات السياسية، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118). ولعل أبرز ما يدل على الحرية السياسية في الإسلام ، مبدأ الشورى الذي تم العمل به في نقل السلطة منذ عهد الخلفاء الراشدين، فلم تورّث الخلافة لإبن أو لغيره، بل كانت خاضعة للشورى، وأخذ رأي أهل الحل والعقد، والذي من الممكن أن يُسمى اليوم هيئة كبار العلماء.

“والحرية السياسية هي أساس كل الحريات لأن السلطة حين تكون مستبدة تتحكم بحرية الناس كما تهوى وتعبدهم لها، أما حينما تكون الحرية السياسية قائمة على الشورى، لا على الاستبداد، فهذه نقطة التحول الكبرى التي تنبع منها كل التحولات في المجتمع والدولة والفرد”[78].

والحاكم في الإسلام ليس معصومًا ولا إلهًا مستعليًا، كما نرى الآن للأسف في بعض الدول العربية والإسلامية، إنما هو وكيل عن الأمة في سياستها بما يحقق مصالحها ويدرأ عنها المفاسد، فإن أقام العدل أُقر علي حكمه وكان له عظيم الأجر في الآخرة. فالمسلم حر في اختيار حاكمه، ومراقبة أدائه، ومحاسبته ونقده، وإن هو خالف، وضيّع الأمانة جاز عزله، ويعاقب على قدر مخالفته. وهذا ما نصّت عليه بعض الدساتير في العصر الحديث.

كما يحق للإنسان “المشاركة في القيام بأعباء السلطة، ووظائفها الكبرى، لأن السلطة حق مشترك بين رعايا الدولة، وليست حكرًا على أحد، أو وقفًا على فئة دون أخرى”[79].

وقد جعل الإسلام من أعظم الذنوب كذب الأئمة والملوك علي رعيتهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: “ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم..وذكر منهم ملكًا كذّابًا[80].

فالحكم في الإسلام على إقامة العدل، بإعطاء الحقوق مثل: التعليم والملكية والتنقل والعمل، وضمان حاجيات الإنسان، والمحافظة عليه ومساعدته وقسمة الثروات العامة بالسوية، ومنع انتهاك حرمات الناس وأعراضهم وأموالهم، وغيرها من الحقوق الكثيرة، واختيار الحاكم بالرضا وعدم الإكراه، وأن يكون مبدأ الشورى ملزمًا للحاكم، وللشعب أن يراقب الحاكم ويقومه.

رابعًا: حرية الرأي والتعبير: يعد التعبير عن الرأي حقًا أصيلا من حقوق الإنسان في الإسلام؛ ذلك أن التعبير عن الرأي مرتبط تمام الارتباط بحرية الإنسان في تفكيره، والتفكير في طبيعته نشاط عقلي والقرآن الكريم يعظّم من شأن العقل الذي هو وسيلة التفكير[81]، وهو من الواجبات الشرعية، لأن كثيرًا من الواجبات الشرعية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء والفتيا والشورى والنصيحة، وغيرها لا تتم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ولكن هذه الحرية كسائر الحريات ليست مطلقة منفصلة دون ضوابط وحدود بل هي حرية مضبوطة بالشرع، وما يدل عليه من مصالح العباد، ودرأ المفاسد عنهم، لأن الحرية المطلقة بلا معايير توقع في التناقض والكذب، وهو يخالف العقل والفطرة كذلك.

و”لا يجوز استعمال حرية الرأي أداة للإذاء والإضرار بالآخرين، أو إثارة الفتنة، أو الطعن في الدين وتسفيه أحكامه، أو الدعوة للخروج عليه ونحو ذلك؛ لأن من حق الآخرين عدم الإضرار بهم، وحق الشرع أن تُحترم أحكامه”[82].

وليس من الإسلام تكميم الأفواه وحبس الرأي، وقصف الأقلام؛ لأنه لا إكراه في الدين أصلًا، فمن باب أولى أن لا يكون هناك إكراه في الرأي، فإبداء الرأي النافع حق مكفول للأفراد والمؤسسات طالما يحقق المصلحة الخاصة والعامة.

خامسًا: حرية التملك: الأصل في الإسلام أنه يضمن حرية الملكية الفردية، وحرية التعامل والتعاقد إلا ما دل الدليل على منعه، وهي الأمور التي يتوفر فيها الغش أو التدليس أو إلحاق الضرر بالآخرين، وهذا ما تقبله الفطرة والعقل والأعراف السوية فضلاً عن الدين.

والإسلام في ذلك ينتهج المنهج الوسطى، فهو “يقر حق التملك الفردي على أن يبقى منسجمًا مع مصلحة الجماعة، محققًا لأهدافها، متفقًا مع نظرة الإسلام الاقتصادية التي تقوم على تحقيق مصلحة الفرد والمجموع، وهكذا نستطيع القول بأن الملكية الخاصة في الإسلام تؤدى وظيفة اجتماعية”[83].

وأعطى الإسلام للإنسان الحق في التمتع بممتلكاته الشخصية، إلى جانب حقه المشترك في التمتع بالممتلكات العامة، مثل المساجد والمستشفيات العامة، والطرق، ومختلف ألوان المنافع العامة الموجودة، ولم يُفرّق الإسلام بين رجل أو امرأة في التمتع بالملكيات الشخصية، وهو ما جاء ذكره في النص القرآني بشكل صحيح[84]، يقول الله عزوجل: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) (البقرة: 228).

ووضع الإسلام القواعد والأطر لهذه الملكية، فلا غش، ولا ربا، ولا تغرير، ولا استغلال حاجة الناس، ولا احتكار لقوت المسلمين، فقد قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم- يقول: “من احتكر طعامًا على المسلمين ضربه الله بالإفلاس أو الجذام”[85]، كذلك ينبغي عليه تملكه بطريق مشروعة، وأن يكون وسطيًا فلا ينفق بإسراف، ولا يقبض يديه بالبخل، ويجب عليه إخراج زكاة ماله، الذي هو حق الله فيه[86].

الخطاب الليبرالي العربي وتناقضاته

الليبرالية الغربية لم تنشأ في أوروبا إلا بعد أن قطعت مرحلة طويلة من التطوير والتحديث، وكان الدافع لوجودها هو حاجة الفرد الأوروبي إلى ذلك النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يضمن له حريته وكرامته، ويوفر له حاجاته المعيشية بشكل متوازن، بعد الثورة على الكنيسة وإبعادها عن السلطة والحكم، وكان لب الفكر الليبرالي الغربي إطلاق العنان للحرية الفردية، كما سبق الحديث عن ذلك.

وبدأ انتقال الليبرالية الغربية إلى العالم العربي عن طريق مصر، أثناء الحملة الفرنسية التي قام بها نابليون في الفترة (1789-1801م)، ومن مصر انتقلت إلى باقي الدول العربية[87]، لما تمثله مصر من ثقل علمي وثقافي وسياسي وجغرافي في العالمين العربي والإسلامي.

وبدأت حركة الابتعاث إلى أوروبا بعد عشر سنوات فقط من رحيل حملة نابليون، حيث اعتمد محمد علي سياسة إرسال البعثات العلمية من مصر إلى أوروبا، فتم إرسال أول مجموعة من الطلبة إلى إيطاليا عام (1813م) ثم إلى فرنسا عام (1826م)، وخلال الفترة (1813-1847م) تم إيفاد 339 مبعوثًا إلى أوروبا، وتواصلت سياسة الابتعاث تباعًا، وبعد عودة هؤلاء المبتعثين عملوا في حقول التعليم والجيش والأعمال الهندسية والطب والترجمة. وكان دورهم واضحًا في تشكيل البيئة المناسبة لغرس أفكار التحديث الأوروبية، ومن بين هؤلاء المبتعثين رفاعة الطهطاوي، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، وعبدالرحمن بدوي وغيرهم[88].

كما نشطت حركة الترجمة، وبرز العديد من المترجمين منهم الطهطاوي، وأحمد زغلول، وأحمد فتحي عثمان، وقد اهتموا بترجمة كتابات سياسية واجتماعية أوروبية ذات توجهات ليبرالية واضحة، قد أسهمت في نقل الفكر الليبرالي الغربي إلى مصر، ومن ثمَّ إلى العالم العربي، “علاوة على ذلك، كان هناك بعض الصحف والمجلات التي أدت دورًا بارزًا في التعريف بالفكر الأوروبي، كان في مقدمتها مجلة (المقتطف) بالإضافة إلى مجلتي (الهلال) و(الجامعة العثمانية)؛ حيث ساهمت في التعريف بالمذاهب الفكرية والفلسفية والأدبية والعلمية الغربية”[89].

وقد مرت الليبرالية في العالم العربي بأربع مراحل هي:

أولا: مرحلة التكوين (1851-1952م): حيث كانت وجهًا من وجوه الفلسفة الغربية المرتكزة على مفهوم الفرد والذات.

ثانيًا: مرحلة الاكتمال (1952-2001م): حيث كان الأساس الذي شُيِّد عليه عِلْمان عصريان مهمان، هما: علم الاقتصاد وعلم السياسة النظرية.

ثالثًا: مرحلة الاستقلال (الليبرالية الجديدة) (بداية من 2001م): حيث نزعت الليبرالية من أصولها كل فكرة تنتمي إلى الاتجاه الديمقراطي بعد أن أظهرت تجربة الثورة الفرنسية أن بعض أصول الليبرالية قد تنقلب عند التطبيق إلى عناصر معادية لها.

رابعًا: مرحلة التقوقع: (المرحلة الراهنة): حيث أصبحت تعتبر محاطة بالأخطار وأن تحقيقها صعب إن لم يكن مستحيلًا، لما تستلزم من مسبقات غير متوفرة لدى البشر في غالب الأحيان[90].

وإذا كانت هذه هي المراحل التي مرت بها الليبرالية العربية، فإنها على الرغم من ذلك “لم تكن وفية أبدًا لأصولها الحقة، إلا أن الليبراليين العرب عاشوا عهدًا ليبراليًا حقيقيًا طويلا، أَوَلوا أثناءه أفكارًا غير ليبرالية تأويلُا ليبراليًا. هكذا فعلوا بالتراث الإسلامي، وبالمذهب الماركسي، وبالمدرسة الوجودية مثلا… كان المهم آنذاك هو إثبات الحرية في أي لغة تيسرت”[91].

ولا تختلف الأسس الفلسفية للفكر الليبرالي بين حالته الغربية والعربية، فالحرية، والفردية، والعقلانية، والنفعية، تعد الأبرز من بين الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الليبرالية.

وأهم هذه الأسس والمباديء:

 أولًا: العلمانية: التي تعني اصطلاحًا: فصل الدين عن السياسة، كما تعني مضمونًا فصل الدين عن النشاط البشري بعامة، وعلى مثل هذا المبدأ يقوم المذهب الليبرالي في كافة المجالات: السياسية، والاقتصادية، والفكرية، بل لاتكون الدولة ليبرالية إلا حيث تكون العلمانية، ولا تكون علمانية إلا حيث تكون الليبرالية.

ثانيًا: العقلانية: تعني الاستغناء عن كل مصدر من اليوتوبيا: (التي نسميها في فكرنا العربي الحديث بالطوباوية التي تعني: الخيالية) في الوصول إلى الحقيقة، إلا عن توظيف العقل الإنساني، وإخضاع كل شيء لحكم العقل ، لإثباته أو نفيه، أو معرفة خصائصه ومنافعه، والعقل المحكّم هنا هو عقل الإنسان.

ثالثًا: الإنسانية: تؤمن بالدفاع عن حرية الفرد الإنسان وترعى مصلحته وكفاءته في وطنه أو حتى في العالم،.. والإنسان هذا الكائن الجميل لابد أن تُراعى مشاعره وصحته، وإبعاده عن الكوارث وعن الاضطهاد وعن القتل وعن الاعتقال وعن كل ما يقف أمامه.

رابعًا: النفعية: كمبدأ تراعى فيه مصالح الأفراد والنخب والفئات والمجموعات .. وتقل لتصل إلى الطبقات، وهنا تصطدم الليبرالية بالشيوعية التي تبني نظريتها على الصراع الطبقي لمصلحة أو منفعة الطبقة العاملة من خلال سيطرة الدولة في حين أن الليبرالية تبنى نظريتها على رأسمالية المجتمع ، وأنها تجعل من نفع الفرد والمجتمع مقياسًا للسلوك، وأن الخير الأسمى هو تحقيق السعادة لأكبر عدد من الناس من دون الالتفات إلى حجم الضرر الذي سيصيب مجتمع بكامله أو طبقة بعينها أو خسارة جماعات[92].

 إشكالية الخطاب الليبرالي العربي في الممارسة والتطبيق:

إذا نظرنا إلى الليبرالية في الخطاب العربي نجد أنها لا تختلف عن نسختها الغربية من حيث التنظير، ولكنها تختلف من حيث الممارسة والتطبيق.

ومن أبرز هذه الفروق:

  1. أن الليبرالية الغربية قامت وفق تسلسل مرحلي تلقائي، بدءًا من العلمانية ثم الليبرالية، وأخيرًا الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى، أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرير العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر.

أما في العالم العربي، فقد عمد أتباع الليبرالية إلى اختزال المراحل التسلسلية السابقة، إذ نادى معظم الليبراليين العرب بضرورة التطبيق الفوري والراديكالي للمفهوم الليبرالي الديمقراطي الغربي دون تغيير، وكأنه وصفة سحرية يمكن من خلالها حل معضلات العالم العربي وبشكل فوري.

  1. يقتصر مفهوم العلمانية – التي هي أحد مكونات الليبرالية الأساسية – لدى الكثير من الليبراليين العرب على حتمية تناقض العلم مع الدين، وذلك بالمفهوم الكلي لكل من العلم والدين، دون النظر إلى أي خصوصية لهذا الدين أو ذاك، أو بحث في أوجه الخلاف بين الدين الإسلامي- الذي يراد عزله- وبين المنهج العلمي التجريبي الذي قد نشأ أصلا تحت مظلة الإسلام في عصره الذهبي، ولم يكن لدى المسلمين انفصام بين الدين والعلم.
  2. لم يذكر لنا تاريخ النهضة الأوروبية أن أحدًا من مفكري الليبرالية الغربية قد أقام مقارنة ذهنية بين المجتمع الأوروبي الذي ينتمي إليه وأي من المجتمعات الأخرى، كما لم يبادر أي منهم لاقتباس أي نظام سياسي أو اقتصادي من الخارج لإحلاله في أوروبا.

 أما الليبرالية العربية فعلى النقيض من ذلك تمامًا؛ حيث سعت إلى استنساخ ممجوج للعقلية الغربية ومحاولة إحلالها بديلًا عن الواقع المحلي، وهو الأمر الذي ينادي به الليبراليون العرب منذ بداية ما يسمى بحركة النهضة العربية. يقول زكي نجيب محمود: “هذا التراث كله بالنسبة لعصرنا فقد مكانته، فالوصول إلى ثقافة علمية تقنية وصناعية لن يكون بالرجوع إلى تراث قديم، ومصدره الوحيد هو أن نتجه إلى أوروبا وأمريكا نستقي من منابعهم ما تطوعوا بالعطاء، وما استطعنا القبول، وتمثل ما قبلناه”[93].

  1. الليبرالية الغربية تقتضي نسبية الحقيقة والموضوعية في النظر والقياس، ولعل إحدى أهم سِمَات العقل الليبرالي تتلخص في تجريد العقل وحياده، وتنزيهه عن الأفكار المسبقة والصور النمطية للأفكار والتصورات، ومنحه الحق في التجريب والقياس والنقد لكافة الظواهر دون تحيز؛ فالليبرالي الغربي يؤمن أن مرجعيته هي العقل وحـده، سـواء كـان العقل غربـيًا أو شرقيًا، مع تحيز في الكثير من الحالات للعقل الغربي انطلاقًا من مركزيته الأوروبية.

أما الليبرالي العربي فقد وقع في الفخ الذي نصبه لخصومه “الإسلاميين” إذ نجده لا يقل تمجيدًا وتقديسًا لمرجعيته الليبرالية إلى حدٍّ يكاد يكون فيه مسلوب الإرادة أمامها؛ ففي الوقت الذي يُؤخذ فيه على “الإسلامي”، كما يقول الليبراليون، تقديسه للنص الديني، واعتماده التراث كمرجعية مطلقة، يظل هو متمسكًا بنصوص ومبادئ كبار مفكري العقلانية الأوروبية.

  1. الليـبرالي العربي يلجأ عادة إلى التبرير عند محاكمة الـغـرب على أخطـائه، بـل يلـجأ لا شعوريًا إلى تحميل الذات المسؤولية عن كل خطأ، وكأنه بات أسيرًا لعقدة الذنب. وقد يتطور الأمر لدى بعضهم إلى إدانة شبه مطلقة لكل ما هو عربي – إسلامي، فتتحول دراسة التاريخ الإسلامي من النقد الموضوعي، بهدف طرح القداسة عنه، إلى بحث متعمد عن أخطاء الماضي وإدانة رموزه وتجريمهم، بل الافتراء عليهم إن دعت الحاجة، إلى درجة تشبيه “محمد الفاتح” بشارون وستالين في ترحيله نصارى القسطنطينية إلى أوروبا بالرغم من احتمائهم بتاجه السلطاني من ظلم الفاتيكان[94].
  2. اقتصر الخطاب الليبرالي العربي على “التبشير بمدنية وثقافة حديثين هما مدنية أوروبا وثقافتها، ولأن المنظومة الفكرية الغربية جاهزة، وفي حوزتها من المعطيات المعرفية والأجوبة الفكرية الكثير وهو ما تسعف به تيار الليبرالية العربية، قد اكتفى هذا الأخير باستعادة تلك المعطيات وإعادة إنتاجها في الثقافة العربية بغير جهد تأصيلي”[95].

ومن ثمّ يمكن القول بعدم وجود ليبرالية عربية حقيقية، ذات مشروع تأسيسي بنائي متكامل واضح المعالم، خصوصًا في الجانبين الفكري والسياسي، وقد عبّر عن ذلك أحد رموز هذا التيار في منتصف التسعينيات الدكتور أسامة الغزالي حرب، حيث قال: “في حين أن مجمل التحولات حتى اللحظة الراهنة (منتصف التسعينيات) يبدو محاصرًا وغير قادر على بلورة ذاته”[96].

وأشار محمد عابد الجابري أن سبب غياب الروح النقدية في الليبرالية العربية “جعل انفتاحنا على الغرب شكلًا من أشكال الاستيراد تمامًا كما نستورد البضائع والتجهيزات، نستورد الأفكار والأيديولوجيات (معلبة ومجهزة) ليقع أغلبنا أسير الثنائيات المتلازمة”[97].

هل يمكن أن يكون هناك تقارب في المفاهيم بين الإسلام والليبرالية؟

الواقع العام الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية يتطلب التقارب بين مكونات المجتمعات، وهذه المجتمعات فيها من التنوع والرؤى المختلفة، فهناك الإسلامي والليبرالي والقومي والاشتراكي، واليميني المتطرف واليساري المتطرف، والملحد أيضًا، وما نحن بصدده الآن في هذه الدراسة الإجابة عن السؤال: هل يمكن التقارب بين الفكر الليبرالي والإسلامي على المستوى السياسي مثلًا، بعيدًا عن المعتقدات الدينية؟

أقول من الممكن أن يحدث ذلك إذا خلصت النوايا بين الأطراف المعنية، وخصوصًا أن الواقع العربي يعيش في الاستبداد والديكتاتورية في أعنف صورها، بعد تمكُّن الثورات المضادة، وهيمنتها على المشهد العام في العالم العربي، وانكسار الثورات العربية لعدم تحقيق أهدافها، وعليه يجب توضيح الأمور التالية:

أولا: هناك مفاهيم مغلوطة يجب أن تصحح، فليس صحيحًا أن الفكر الإسلامي المعاصر يرفض الديمقراطية، إذا كان معناها الاحتكام للأغلبية، فيما لا نص شرعي فيه، والدليل على ذلك أن الإسلاميين في أغلب الدول العربية يطالبون بتطبيق الديمقراطية في مواجهة الاستبداد وسيطرة الحزب الواحد.

ثانيًا: ليس صحيحًا أن الإسلام ضد الدستور المدني، فالدولة الإسلامية دولة مدنية وليست دينية بالمفهوم الغربي للدولة الدينية، لأنه لا يحكمها علماء الإسلام، بل من يختاره الشعب، وهي دولة يحدد دستورها الشعب لا الحاكم أو الحكومة، ويمكن عزل الحاكم إذا انحرف عن الدستور.

ثالثًا: الدولة الإسلامية ليست ضد الحريات الدينية للأديان السماوية، وغير السماوية، وليس معنى الحرية الدينية بناء الكنائس والمعابد بلا حدود ولا ضوابط وليس معناها السماح بحرية التهجم والسخرية من الأديان.    

ومن القضايا المشتركة التي يمكن الالتقاء حولها قضيتي: الحرية والعدالة، وهاذان المفهومان يمثلان تطلعات الإنسان عبر مراحل التاريخ وفي مختلف الحضارات الإنسانية، لتحرير الإنسان من طواغيت الفساد والاستبداد.

فغياب الحرية يؤدي إلى “تقهقر المجتمع وتراكم بوادر تخلفه التي ستبدأ قليلة وغير محسوسة، حتى ينتهي الأمر بها إلى إسقاط المجتمع في براثن التخلف الحضاري العام .. ذلك أن درجة الغياب في الحرية يقابلها درجة في وجود نقيضها وهو الاستبداد”[98]، وهذا هو الحادث في عالمنا العربي فمع غياب الحريات العامة وتقهقرها تزداد أنياب الاستبداد وتعلو.

والحرية ليست هدفًا فحسب، “وإنما هي إحدى آليات الفعل الحضاري، فالإنسان غير الحر، أي العبد، أو المستعبد بفعل الطغيان والاستبداد، لا يستطيع أن يبدع، وأن يدخل المعادلة الحضارية بصورة إيجابية”[99].

وإقامة العدل بين الناس لا يمكن الاختلاف حوله، وتحقيق العدالة الاجتماعية هي مطلب أساس في الإسلام ويجب أن يكون في الممارسة الليبرالية، من حيث المساواة وعدم التمييز، والتوزيع العادل للموارد والأعباء، وتوفير الضمان الاجتماعي، إلى غير ذلك من الحقوق التي يجب أن تتوفر للإنسان الطبيعي الذي يريد أن يحيا حياة كريمة إنسانية.

ومن ثمّ يكون هناك تعايش سلمي بين المكونات السياسية والفكرية المختلفة، ويُحترم الرأي والرأي الآخر، مع حق الجميع في التعبير عن نفسه، وصيانة حق المعارضة ومشروعيتها.   

ولتحقيق هذا التقارب لابد من إجراء حوار بين الطرفين أعني: بين الفكر الليبرالي والفكرالإسلامي، هذا الحوار يجب أن يقوم على أسس وشروط تحقق نجاحه، منها:

أولًا: أن يدار الحوار من جهة محايدة من ذوي العدل والموضوعية والثقافة والخبرة ممن لا ينتمون إلى تنظيم إسلامي أو ليبرالي، ومن الضروري أن يتم تخطيط وإدارة وتنظيم الحوار بصورة صحيحة، وهذا للأسف ما يفتقده كثير من السياسيين لأنهم يتعاملون مع الواقع السياسي دون قدرة على فهم صحيح للحدود الفكرية للإسلام والليبرالية.

ثانيًا: إبعاد المتطرفين من الإسلاميين والليبراليين، لصعوبة الحوار معهم، وبعدهم عن العقل والواقعية والإنصاف، والأهم من ذلك أن المتطرفين من الجانبين ليسوا أغلبية، وهم سبب الفتن والاختلاف والتنافر والصراع الحادث الآن.

ثالثًا: يتطلب الحوار الإسلامي الليبرالي تحديدًا صحيحًا وشاملا وعميقًا ودقيقًا للمصطلحات والمباديء الفكرية، فضبط المصطلحات والمعاني بديهة علمية إذا تحققت أدى ذلك إلى تقليل حدة الخلاف، والتقارب في حل القضايا السياسية الآنية.

رابعًا: تحديد المشتركات والعمل عليها وهي كثيرة، مثل قضايا محاربة الفساد والاستبداد، ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة، وإطلاق الحريات العامة، والمساواة في الحقوق وعدم التمييز، والسعي إلى تمكين الشباب والمرأة في المواقع القيادية المختلفة.

خامسًا: لابد أن يعي جميع الأطراف أن المجتمعات العربية والإسلامية لها خصوصيتها، التي ميزتها عن غيرها، من حيث الهوية والثقافة واللغة والحضارية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، استنساخ التجارب الأخرى كما هي دون اعتبار لخصوصيتها.

سادسًا: الوعي بأن التقارب والائتلاف في هذه المرحلة من أوجب الواجبات، التي يجب على كل العاملين في العمل العام، أو أي عمل بشري، يُراد منه نفع الناس، مراعاة ذلك، دون الإخلال بالثوابت المتعارف عليها، وأن من حق الجميع أن يطرح وجهة نظره، وأن نختلف معها جملة وتفصيلا، طالما هناك أسباب مُقنعة وأدلة دامغة، دون سِباب أو تخوين.

والخلاصة:

أننا نعيش في مرحلة شديدة التعقيد، يجب فيها أن تتكاتف الجهود وتتقارب الأفكار لإزاحة الاستبداد والفساد الذي جثم على بلادنا لفترات طويلة ولا يزال، وكمّم الأفواه، وضيّق على الحريات العامة، وكلّس الحياة برمتها، وسرق مقدراتنا.

والبداية أن يستمع بعضنا إلى بعض، وليكن الحوار هو المدخل الطبيعي لتقريب المفاهيم، وأن يعي كل منّا أنه لا يحتكر الحقيقة، فرأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب، ولتكن حقوق المواطنة، ودولة العدالة الحاكمة، والدولة الوطنية التي تحافظ على الحريات العامة، وتضمن تداول السلطة.

بحث قُدم في ندوة بعنوان “الإسلام والليبرالية”، عقدها مركز حرمون في اسطنبول أغسطس 2017

المراجع

  1. إبراهيم، زكريا، مشكلة الحرية، مكتبة مصر، الطبعة الثانية، القاهرة، بدون تاريخ
  2. الببلاوي، حازم، الديمقراطية والليبرالية .. قضايا ومشاكل، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993م
  3. بدر الدين، إكرام، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، 1986م
  4. بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1984م
  5. بلقزيز، عبد الإله، العرب والحداثة .. دراسة في مقالات الحداثيين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007م
  6. بهلول، رجاء، المرأة وأسس الديمقراطية في الفكر النسوي الليبرالي، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، الطبعة الأولى، 1998م
  7. بوعزة، الطيب، نقد الليبرالية، تنوير للنشر والإعلام، القاهرة، 2012م
  8. توشار، جان، تاريخ الأفكار السياسية الليبرالية- الاشتراكية- القومية- السلفية، ترجمة ناجي الدراوشة، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 2010م
  9. الجابري، محمد عابد ، خطاب الحداثة في الفكر العربي المعاصر، مجلة المستقبل العربي، السنة 26، العدد 300، شباط/فبراير،2004م
  10. الجمال، محمد محمود، الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي، كتاب الأمة العدد 138، رجب 1431ه، السنة الثلاثون، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، الطبعة الأولى، 2010م
  11. الجميل، سيار، الليبرالية القديمة والليبرالية الحديثة، المعاني والمبادئ والمفاهيم، مجلة الحوار المتمدن، العدد 1119، بتاريخ 24-2-2005م، الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=32282
  12. حرب، أسامة الغزالي، القوى الليبرالية غير الحزبية في العالم العربي: نموذج جمعية النداء الجديد بمصر، ضمن الليبرالية الجديدة أعمال الندوة المصرية الفرنسية السادسة 18-20 مايو 1995م، تحرير نازلي معوض أحمد
  13. الحوالي، عبد الرحمن سفر، العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، الطبعة الأولى، 1402ه-1982م
  14. الخراشي، سليمان بن صالح، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، 1429ه، بدون ناشر
  15. خشبة، سامي، مصطلحات فكرية، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1994م
  16. دراز، محمد عبد الله، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم، الكويت، الطبعة الثانية، 1390ه-1970م
  17. دعدوش، أحمد ، الليبراليون العرب هل هم حقًا ليبراليون، مجلة البيان، العدد(219)، شهر ذو القعدة، 1426ه
  18. الدميجي، صالح بن محمد بن عمر، موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين .. دراسة تحليلية نقدية، مجلة البيان، مركز الدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، 1433ه
  19. دومون، لويس، مقالات في الفردانية، منظور أنثروبولوجي للأيدلوجية الحديثة، ترجمة بدر الدين عردوكي، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2006م
  20. ديورانت، ول، قصة الحضارة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة الثانية
  21. ربيع، محمد، الفكر السياسي الغربي، فلسفاته ومناهجه من أفلاطون إلى ماركس، جامعة الكويت، 1994م
  22. زكي، رمزي، الليبرالية المتوحشة، دار المستقبل العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993م
  23. الزحيلي، محمد، الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية أبعادها وضوابطها، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد27، العدد الأول، 2011م
  24. سباين، جورج، تطور الفكر السياسي، ترجمة راشد البراوي، دار المعارف، مصر، 1971م
  25. سترومبرج، رونالد، تاريخ الفكر الأوروبي الحديث (1601-1977م)، ترجمة أحمد الشيباني، دار القارئ العربي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1415ه-1994م
  26. السلمي، عبد الرحيم بن صمايل، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، السعودية، الطبعة الأولى، 1430ه-2009م
  27. الشمراني، خالد بن عبد الله، التعبير عن الرأي .. ضوابطه ومجالاته في الشريعة الإسلامية، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، السعودية، الطبعة الثانية، 1432ه-2011م
  28. صافي، لؤي، الحرية والمواطنة والإسلام السياسي التحولات الكبرى وقضايا النهوض الحضاري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، السعودية، الطبعة الأولى، 2012م
  29. الطويل، توفيق، قصة النزاع بين الدين والفلسفة، مكتبة الآداب، القاهرة، بدون تاريخ
  30. ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، حاشية ابن عابدين، دار الفكر، بيروت، 1412ه-1992م
  31. عبد الرازق، مصطفى، الدين والوحي والإسلام، تصحيح وتعليق حسن السماحي سويدان، دار القادري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1413ه-1993م
  32. عثمان، عبد الكريم، معالم الثقافة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة عشر، 1985م
  33. العروي، عبد الله، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الخامسة، 1993م
  34. عزت، هبة رؤوف، الليبرالية .. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال والتطور، دراسة منشورة في موقع إسلام أون لاين، أغسطس 2004م الرابط:  https://archive.islamonline.net/?p=6193
  35. العقاد، عباس محمود، الإنسان في القرآن الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996م
  36. عمارة، محمد، المفهوم الإسلامي للحرية، مجلة الأزهر ذوالقعدة 1433 هـ، أكتوبر 2012م الجزء”11″ السنة “85”
  37. عيد، عبد الرزاق، ومحمد عبد الجبار، الديمقراطية بين العلمانية والإسلام، دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الأولى، 1420ه-1999م
  38. الغضبان، منير محمد، قضايا إسلامية معاصرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1433ه-2012م
  39. الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1993م
  40. فوكوياما، فرانسيس، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، الإشراف والمراجعة والتقديم مطاوع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1993م
  41. قنصوة، ياسر، مفهوم الحرية في الليبرالية المعاصرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، بدون تاريخ
  42. لاسكي، هارولد، نشأة التحررية الأوروبية، ترجمة عبد الرحمن صدقي، مكتبة مصر، الجمهورية العربية المتحدة، 2003م
  43. لزوق، عزيز، ومحمد الهلالي، الحرية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2009م
  44. ما يرغرين, ثيودور، الليبرالية والموقف الليبرالي، تعريب جورج زيناتي وفوزي قبلاوي، المؤسسة الشرقية للترجمة والنشر، القاهرة، بدون تاريخ
  45. محمود، زكي نجيب، تجديد الفكر العربي، دار الشروق القاهرة، الطبعة التاسعة، 1993م
  46. معلوم، حسين، الليبرالية في الفكر العربي، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، الطبعة الأولى، 1992م
  47. مل، جون ستيوارت، أسس الليبرالية السياسية، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، وميشيل متياس، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996م
  48. منصور، أشرف، الليبرالية الجديدة جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2008م
  49. مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الموسوعة العربية العالمية، السعودية، الطبعة الأولى، 1416ه-1996م
  50. نصار، جمال، حرية الإنسان في التصور الإسلامي، دار الأندلس الجديدة للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2009م
  51. نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المختصين (إعداد)، معجم العلوم الاجتماعية، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975م
  52. وحدة الدراسات في مركز صناعة الفكر، الليبرالية في السعودية .. الفكرة الممارسة الرؤى المستقبلية (رصد وتحليل)، دار الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2013م
  53. يوسف، محمد علي، الجفوة المفتعلة بين العلم والدين، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1966م

[1]– وحدة الدراسات في مركز صناعة الفكر، الليبرالية في السعودية، ص12

[2]– موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين .. دراسة تحليلية نقدية، ص45

[3] الموسوعة العربية العالمية، 21/247

[4]– تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، ص337

[5]– بوعزة، الطيب، نقد الليبرالية، تنوير للنشر والإعلام، القاهرة 2012، ص26

[6]– ربيع، محمد، الفكر السياسي الغربي، فلسفاته ومناهجه من أفلاطون إلى ماركس، جامعة الكويت، 1994، ص 399-400، وانظر: رجاء بهلول، المرأة وأسس الديمقراطية في الفكر النسوي الليبرالي، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، ط1،1998، ص23-24.

[7]– هذا بالنسبة لموقف الليبرالية الكلاسيكية من دور الدولة، لكن الليبرالية تعرضت لتغيرات مهمة منذ منتصف القرن التاسع عشر، تحت ضغط الواقع ومرارة التجارب، وبسبب بروز الحركة الاشتراكية، وضغط الحركات العمالية، والثورات التي شهدتها أوروبا 1830و 1848، فظهرت الليبرالية الجديدة، أو ليبرالية الرفاه أو المساواة التي سمحت بتدخل أكبر في الحياة الاقتصادية، لضمان درجة معقولة من العدالة الاجتماعية، راجع: بهلول، المرأة وأسس الديمقراطية، ص36، واانظر: مجموعة من المختصين، قاموس الفكر السياسي، ترجمة د. أنطون حمصي، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 1994، 2/178، وراجع: ربيع، الفكر السياسي، ص 402

[8]– بدر الدين، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ص 190-191، وانظر: سامي خشبة، مصطلحات فكرية، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ط1، 1994، ص 131، ومجموعة من المختصين، قاموس الفكر السياسي، 2/176-177.

[9] بدر الدين، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ص191.

[10]– بدر الدين، مرجع سابق، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ص 192.

[11]– ربيع، مرجع سابق، الفكر السياسي، ص 401.

[12]– بطبيعة الحال أعني هنا الليبرالية الحقيقية غير المزيفة، لأن الأمر تحول في بعض الأحيان إلى التقليد بدون وعي، وخصوصًا في المنطقة العربية، وفي مواضع أخرى سوف أناقش هذه المسألة بشيء من التفصيل.

[13]– ثيودور ما يرغرين، الليرالية واالموقف الليبرالي، تعريب جورج زيناتي وفوزي قبلاوي، المؤسسة الشرقية للترجمة والنشر، القاهرة، د. ت، ص36.

[14]– بدر الدين، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ص197-198، وانظر: خشبة، مصطلحات فكرية، ص131.

[15]– نخبة من الأساتذة المصريين والعرب المختصين (إعداد)، معجم العلوم الاجتماعية، تصدير ومراجعة د. إبراهيم مدكور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975، ص449، وانظر: بدر الدين، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ص192.  

[16]– بدر الدين، مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ص 193- 194.

[17]– بدر الدين، مرجع سابق، ص 196.

[18] هذا النموذج المثال في الليبرالية، ولكن في الواقع والممارسة نجد أن هناك اختلافات بعض الشيء عن هذه المبادئ التي وضعها مؤسسو الليبرالية

[19] الحوالي، سفر، العلمانية، ص214، وانظر: تفصيل نظرية لوك في ذلك: الموسوعة الفلسفية، الجزء الثاني، القسم الثاني ص1156-1157.

[20]الموسوعة العربية العالمية، 21/248.

[21]– الدميجي، صالح بن محمد ، موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين … دراسة نقدية، ص97

[22]– قنصوة، ياسر ، الليبرالية إشكالية مفهوم، ص24-25

[23]– قنصوة، المرجع السابق، ص9-10

[24]– وقد ظهرت الوجودية فيما بعد من رحم الليبرالية، وكذلك البراجماتية، والوضعية، والعلمانية

[25]– سباين، جورج، تطور الفكر السياسي، 4/932

[26]– الحرية، ضمن أسس الليبرالية السياسية، ص127

[27] الببلاوي، حازم، الديمقراطية والليبرالية .. قضايا ومشاكل، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993، والديمقراطية الليبرالية، مجلة آفاق الإسلام، العدد الرابع، 1994

[28]– فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ص70

[29]– عزت، هبة رؤوف ، الليبرالية .. أيدلوجية مراوغة أفسدها رأس المال والتطور، دراسة منشورة في موقع إسلام أون لاين، أغسطس 2004 الرابط:  https://archive.islamonline.net/?p=6193

[30]– موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين، مرجع سابق، ص120-122

[31]– أسس الليبرالية السياسية، ص129، وص132

[32]– موسوعة لا لاند الفلسفية 2/726

[33]– منصور، أشرف، الليبرالية الجديدة جذورها الفكرية وأبعادها الاقتصادية، التقديم، ص16-17

[34]– موقف الليبرالية في البلاد العربية، مرجع سابق، ص126

[35] الليبرالية المتوحشة ص41

[36]– لاسكي، هارولد ، نشأة التحررية الأوربية، ص128

[37]– الليبرالية المتوحشة، مرجع سابق، ص14

[38]– موقف الليبرالية في البلاد العربية، مرجع سابق، ص129-134 بتصرف

[39]– المرجع السابق، ص137

[40]– يراجع تفصيل مفهوم الدين، عبد الله دراز، كتاب الدين، ص27-54، ومصطفى عبد الرازق، الدين والوحي والإسلام، ص15-55

[41]– ديورانت، ول، قصة الحضارة، 14/352

[42]– يوسف، محمد علي، الجفوة المفتعلة بين العلم والدين، ص11

[43]– تاريخ الفكر الأوروبي الحديث،مرجع سابق، ص36

[44]– الحوالي،سفر ، العلمانية، مرجع سابق ص146

[45]– يوسف، محمد على ، مرجع سابق، ص12

[46]– الطويل، توفيق، قصة النزاع بين الدين والفلسفة، ص214

[47]– بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، 2/560

[48]– تتمثل ثنائية ديكارت في القول إنّ العقل والجسد (الجسم) شيئان مختلفان ومتميزان، ويرى أنّ الإنسان مركب من عنصرين منفصلين تمام  الانفصال، العقل وماهيته التفكير، والجسم وماهيته الامتداد، ولا توجد خاصية لأحدهما في الآخر.

-[49] دومون، لويس، مقالات في الفردانية، ص147

[50]– الحوالي، مرجع سابق، ص169

[51]– بوعزة، الطيب، نقد الليبرالية، ص140

[52]– تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، مرجع سابق، ص394

[53]– صافي، لؤي، الحرية والمواطنة والإسلام السياسي، ص121

[54]– تحدثت بالتفصيل عن الحرية في الفكر الليبرالي في مبادئ ومجالات الليبرالية من هذه الدراسة

[55]– لزرق، عزيز، ومحمد الهلالي، الحرية، ص5

[56]– الخراشي، سليمان، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، ص46

[57]– العروي، عبد الله، مفهوم الحرية، ص39

[58]– لا لاند، موسوعة لا لاند الفلسفية، مرجع سابق، 2/726

[59]– نقد الليبرالية، مرجع سابق، ص127

[60]– جندر (Gender) كلمة إنجليزية تَنحدِر من أصل لاتيني” Genus ” تعبر عن الاختلاف والتمييز الاجتماعي للجنس، وتصف الأدوار التي تُعزى إلى النساء والرجال في المجتمع، والتي لا يتم تعيينها بواسطة العوامل البيولوجية، وإنما بواسطة المعطيات الاجتماعية، والقواعد الثقافية ومعاييرها ومحظوراتها، فالأدوار الجندرية – (بحسب هذا التعريف) – تتفاوت بين ثقافة أو حضارة وأخرى، وهي قابلة للتغيير والتطوير”. راجع: http://www.alukah.net/web/khedr/0/53827/

[61]– إبراهيم، زكريا، مشكلة الحرية، ص240

[62]– المرجع السابق، ص239

[63] المرجع السابق ، ص239

[64]– الزحيلي، محمد، الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية، ص393

[65]– توشار، جان، تاريخ الأفكار السياسية، 3/1059

[66]– عمارة، محمد، المفهوم الإسلامي للحرية، مجلة الأزهر ذوالقعدة 1433 هـ، أكتوبر 2012م الجزء”11″ السنة” 85″

[67]– الفاسي،علال ، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1993، ص 248

[68]– نصار، جمال، حرية الإنسان في التصور الإسلامي، ص31

[69]– الإطراء: كلمات الثناء المبالغ فيه، أو المدح بالباطل، المعجم الوسيط

[70]– رواه البخاري، ج 1، رقم3445، ص1670

[71]– نصار، حرية الإنسان في التصور الإسلامي، مرجع سابق، ص35

[72]– الليبرالية في السعودية، مرجع سابق، ص60

[73]– السلمي، عبد الرحيم بن صمايل ، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، ص512

[74]– نصار، مرجع سابق، ص36

[75] العقاد، عباس محمود، الإنسان في القرآن الكريم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م، ص50

[76]– الليبرالية في السعودية، مرجع سابق، ص54

[77]– حاشية ابن عابدين، 4/15

[78]– الغضبان، منير محمد، قضايا إسلامية معاصرة، 2/919

[79]– الليبرالية في السعودية، مرجع سابق، ص62

[80]– صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم 186

[81]– الشمراني، خالد عبد الله، التعبير عن الرأي ضوابطه ومجالاته في الشريعة الإسلامية، ص33

[82]– الجمال، محمد محمود، الحرية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي، ص47

[83]– عثمان، عبد الكريم، معالم الثقافة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة عشر، 1985، ص237

[84]– الليبرالية في السعودية، مرجع سابق، ص58

[85] ابن حجر، فتح الباري، 4/ 348

[86]– نصار، مرجع سابق، ص45

[87]– يمكن الرجوع إلى ذلك بالتفصيل، ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة

[88]– موقف الليبرالية في البلاد العربية من محكمات الدين، مرجع سابق، ص161

[89]– الليبرالية في السعودية، مرجع سابق، ص73

[90]– العروي، عبد الله، مفهوم الحرية ، ص39-41 بتصرف يسير

[91]– معلوم، حسين، الليبرالية في الفكر العربي، ص25

[92]– الجميل، سيار، الليبرالية القديمة والليبرالية الحديثة، المعاني والمبادئ والمفاهيم، مجلة الحوار المتمدن، الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=32282

[93]– محمود، زكي نجيب، تجديد الفكر العربي، نقلا عن دعدوش، أحمد، الليبراليون العرب هل هم حقًا ليبراليون، مجلة البيان، العدد(219)، شهر ذو القعدة، 1426ه

[94]– دعدوش، أحمد، الليبراليون العرب هل هم حقًا ليبراليون، مجلة البيان، العدد(219)، شهر ذو القعدة، 1426، وانظر: موقف الليبرالية في البلاد العربية، مرجع سابق، ص177-180

[95]– بلقزيز، عبد الإله، العرب والحداثة.. دراسة في مقالات الحداثيين، ص94-95

[96]– القوى الليبرالية غير الحزبية في العالم العربي: نموذج جمعية النداء الجديد بمصر، ضمن الليبرالية الجديدة أعمال الندوة المصرية الفرنسية السادسة 18-20مايو 1995م، تحرير نازلي معوض أحمد، ص232

[97]– الجابري، محمد عابد، خطاب الحداثة في الفكر العربي المعاصر، ص53

[98]– عيد، عبد الرزاق، ومحمد عبد الجبار، الديمقراطية بين العلمانية والإسلام، ص98

[99]– المرجع السابق، ص125-126

شارك هذا المقال