موقع الدكتور جمال نصار


إلى أين تتجه مصر بعد الانتخابات الرئاسية؟

الكاتب : د.جمال نصار الاثنين 09 يونيو 2014 الساعة 09:55 مساءً

ملخص
هناك ثلاثة سيناريوهات لما بعد الانتخابات الرئاسية المصرية: 
نجاح الانقلاب من خلال مسارين: نجاح سلمي توافقي أو نجاح عنفي: والواضع أن المسار العنفي هو المرجح أكثر من المسار السلمي، ففي خطاب السيسي مفردات عنفية من أبرزها عدم القبول بالمصالحة سواء تعلق الأمر بالمقربين ومن باب أحرى المخالفون.

والاحتمال الثاني هو كسر الانقلاب إمام بطريق عنفي أو طريق سلمي.

ويعني كسره سلميًا مواصلة الحشد والتعبئة والحراك الثوري، ليس عن طريق جماعة الإخوان لكن هناك الحراك الطلابي سواء أكان منتميًا أو غير منتم. فالطلاب في النهاية هم رهان أي تغيير. أما كسر الانقلاب بمسار عنفي فهو محتمل غير أن فزاعة ليبيا واليمن وسوريا في الوقت الراهن والسودان والجزائر في السابق تؤثر دون شك على أي تفكير في هذا المسعى.
 
وهنالك سيناريو ثالث وهو سيناريو توافقي واحتوائي وهو أن ترضى القوى الرئيسة طوعًا أو كرهًا بما هو قائم والقبول بعدد من الخطوات السياسية ومحاولة الاستفادة من القوى التركية وإعادة البناء من الداخل. ويبقى الرهان على حركة الشارع فهي من قادت التغيير وهي من سترسم ملامح المستقبل، وما يعنيه ذلك من إعادة الوعي ومواجهة سلطة الانقلاب. 

شهدت مصر في الآونة الأخيرة انتخابات رئاسية على مدار ثلاثة أيام، لاستكمال ما سُمى خارطة الطريق التي بدأت بوضع دستور اختلف حوله المصريون بين مؤيد ومعارض، وتم التبكير بالانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية خلافًا لخارطة الطريق التي وُضعت مع الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013 بعد عزل الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي.

إضافة إلى الخلاف بين من يرون أن الانتخابات شرعية، ومن يرون أنها باطلة، نتيجة الانقلاب على سلطة منتخبة، والمعارضة الواسعة للانتخابات التي شككت في طبيعة التصورات التي سادت قبل إجرائها، حيث أثارت عدة صحف كبرى إلى أن المقاطعة كسرت هيبة السيسي، وأنه لا يحظى بالشعبية التي روجت لها وسائل إعلام مصرية.

حول طبيعة الانتخابات الرئاسية في مصر، وموقف المعارضة السياسية لسلطة الانقلاب بعد الانتخابات، والتداعيات الداخلية من حيث الترتيبات السياسية والوضع الأمني والاقتصادي، وتأثير ذلك على العلاقات المصرية والإقليمية والدولية، وإلى أين تتجه مصر بعد الانتخابات؟ عقد مركز الجزيرة للدراسات ندوة بحضور نخبة من المهتمين بالشأن المصري منهم: مختار كامل رئيس تحالف المصريين الأمريكيين، والدكتور عصام عبد الشافي مدرس علوم سياسية بالجامعة العربية المفتوحة في الدانمارك، وسامح راشد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والدكتور خليل العناني المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، وآيات عرابي إعلامية مقيمة في واشنطن.

الإعلام وتعدد الخطابات

عند الحديث عما يصفه البعض بالانقلاب في مصر ينبغي أن نشير إلى أن أي انقلاب تصحبه آلة دعائية وذلك ما تم فعلا في الحالة المصرية؛ حيث اعتمد أسلوب ممنهج في غسل أدمغة الشعب المصري وتوجيهه لترويج أفكار من شأنها القبول بالانقلاب، بل ومد جسور الحكم العسكري الراهن لربطه بالحكم العسكري في عهد مبارك، وقد تم بالفعل إعادة دولة الحكم العسكري.

ظهر منذ البداية أن الانقلاب في مصر كان وسيلة ثأرية، ولذلك حدثت حالة من المقاومة والوقوف في وجه الانقلابيين. غير أنه من المفيد الإشارة إلى أن الانقلاب تم التحضير له مبكرًا، بل وتم تداول مصطلحات أثناء حكم محمد مرسي تمهد وترتب لما سيحدث، ومن ذلك مثلا "الخرفان" وهو مصلح من صميم الحرب النفسية، وكان المقصود به التمهيد لمذبحة الإخوان : تلك المذبحة التي تمت في الحرس الجمهوري وفي رابعة. إن موضوع "الخرفان" وذبحها موجود في الديانة المسيحية وفي الإسلام وقد قامت بالترويج لذلك تلك الجهات التي تدير الإعلام المصري. لم يدرك أي شخص في البداية أن المقصود به التضحية فالخروف رمز، ومقتل صدام حسين يوم عيد الضحى غير بعيد عنا، حيث إن الأمريكان أرادوا أن يقولوا إن الإنسان يُضحى به كما يضحى بالخروف.

جاء الانقلاب فوقفت أمامه حشود الرافضين في عدة فضاءات وعلى رأسها ميدان رابعة العدوية الذي شكل قلقًا شديدًا للانقلابيين فبدأت الآلة الإعلامية الدعائية بإطلاق مجموعة من الشائعات بدأت صغيرة ثم كبرت عبر وسائط مختلفة، من تلك الدعايات أن اعتصام رابعة ما هو إلا تجسيد لجهاد النكاح وأن بالميدان أسلحة نووية، وكأننا أمام الآلة الدعائية الغوبلزية فهي بالضبط ما تم استخدامه في مصر.

إن مواجهة هذه الآلة الإعلامية التي عملت قبل وأثناء الانقلاب وعملت بشدة في المسرحية الانتخابية التي جرت مؤخرًا تقتضي صياغة سياسة استراتيجية إعلامية مواجهة، تركز على عدة مضامين، فما حدث ليس انتخابًا بل هو مسرحية، والمنتخب ليس رئيسًا بل هو قائد انقلاب عسكري. وما حدث هو انقلاب عسكري متكامل الأركان والمفروض أن يوجد خطاب إعلامي واضح ويفضح ما وقع في مصر.

صحيح إن الانقلاب العسكري في مصر لن يسقط بسرعة لذلك لا بد من التحلي بالصبر لمناهضي الانقلاب وأخذ الوقت لإعادة تشكيل الوعي عن طريق الإعلام.

خريطة المشهد السياسي المصري بعد الانتخابات

مهما اختلف المحللون والسياسيون حول توصيف ما جرى في مصر في 30 يونيو هل هو انقلاب أم حركة تصحيحية فإن هنالك أسئلة تبقى مطروحة وهي من يحرك مصر؟ من هو الفاعل الرئيسي ومن هم المحكومون؟ وما الأدوات التي تستخدم في التحريك؟

في مصر الآن نظام عسكري وهو الحاكم وليس استنساخًا لحكم الرئيس المخلوع حسني مبارك لكنه مع ذلك نظام عسكري قلبًا وقالبًا. فالحاكم في مصر هو المؤسسة العسكرية وهي مصدر القرار. وإلى جانب المؤسسة العسكرية هناك فاعل ثان وهو نخبة اقتصادية مؤثرة ومتفاعلة مع المؤسسة العسكرية بمختلف أجهزتها وهذه النخبة تؤثر في المشهد ولا تظهر في الواجهة بل لها ارتباط قوي بأجهزة صنع القرار. أما الفاعل الثالث فهو النخبة الثقافية والاجتماعية: التي تلعب أدوارًا مهمة؛ فعلى سبيل المثال نذكر سعد الدين إبراهيم وغيره من الطبقة النخبوية التي ليس لها مناصب وظيفية ولكنها من الفاعلين الرئيسيين في المشهد المصري.

أما المحكومون والأدوات (كالأمن، والإعلام.... ) فهي أمور في يد من يتحكم. ويبقى أنه لا بد أن نعرف كيف نتعامل مع من يحرك المشهد.

لا شك أن البيئة الداخلية والخارجية إقليمية كانت أو دولية كانت كلها مواتية لما حدث في مصر. ففي الداخل تنتشر الأمية ويشيع الفقر وهي أمور تسهل على الحاكم الإمساك بالأمور. أما في الخارج فالولايات المتحدة مثلا وهي من أبرز اللاعبين في المنطقة قبلت ما حدث واتبعت سياسة يبدو منها أنه ليس لديها مانع من حكم المؤسسة العسكرية لمصر. فالظروف الداخلية والخارجية كانت مواتية ولا تزال كذلك ولا يتوقع تغييرها.


ومن الخطأ اعتبار الانتخابات التي حدثت في مصر أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للمؤسسة العسكرية الحاسمة، ذلك أن المشير السيسي لم يكن ينتظر نتائج الانتخابات حتى يثبت أركان حكمه. ثم إنه وفي المستقبل المنظور لن توجد معارضة سياسية في مصر يمكنها تغيير ميزان القوى الجديد، وحتى لو وجدت أصوات مناهضة فإنه لن يسمح بها بل إنه لن تكون هناك هوادة في التعامل بعنف مع المعارضين، وحتى الحلفاء فقد تم إبعادهم.

ومن واضح أن هناك توجهًا نحو تجفيف منابع الإسلام السياسي أو أي تيار ينطلق من تصور إسلامي مرجعي. وذلك التجفيف يتم بكل الطرق سواء تعلق الأمر بوضع اليد على المساجد أو المدارس أو الإعلام وحتى المنابع الخارجية فقد تم تجفيفها هذا فضلا عن شيطنة إعلامية للإخوان.

إن هذا الوضع يقتضي عدة أمور لعل منها أنه على الإخوان المسلمين أنفسهم تصحيح مسارهم ومراجعة تجربتهم وتحالفاتهم. فضلا عن أنه لا بد من تحييد القوى المادية أي المواجهة مع الجيش، والعودة للشارع بدل المؤتمرات واللقاءات. وهذا يقتضي بناء تحالف حقيقي مع القوى السياسية على أساس وظيفي سياسي وليس على أساس عقدي ويكون مرنًا وواسعًا وليس من دائرة مغلقة.

قراءة في موازين الفاعلين السياسيين

من السهل على المحلل السياسي أن يقف على حقيقة أن الأحزاب السياسية المصرية أحزاب كرتونية ومدجنة ولا تمثل أي تهديد باستثناء الإخوان فهم النواة الصلبة. ومن البديهي أن الثورة لم تقم من داخل الأحزاب السياسية بل من خلال قوى غير رسمية: كالشبكات الشبابية والمجموعات المتأثرة بالإعلام الجديد.

وبالإمكان تمييز عدة معارضات في مصر ومنها:

أولا: المعارضة الصلبة والمستأسدة
ويمثلها تحالف دعم الشرعية ومن أبرز مكوناته جماعة الإخوان، وقد رفض التحالف المسار السياسي الذي تم اختطافه بعد الثالث من يوليو حسب توصيف التحالف الذي لا يعترف بشرعية ما هو موجود من منطلق أنه انقلاب. وأجندة التحالف هي عودة الرئيس المعزول محمد مرسي. ومن الواضح أن التحالف لا يمتلك سوى هذه الورقة.

أما الأدوات التي يستعملها التحالف فهي: التظاهر فقط الذي تحول إلى غاية وليس وسيلة. وهنالك مشكلتان تميزان التحالف وهما: إشكالية القدرة على التماسك بين مكوناته. وإشكالية توسيع القاعدة الحركية، بحيث يتحرك التحالف خارج أطره العادية وينفتح على مكونات أخرى.

ثانيًا: المعارضة المدجنة والمستأسنة
وهي ثلاث أطراف رئيسية: كتلة حمدين صباحي المحافظة على وجودها رغم بعض التراجع. فحمدين صباحي من بين السياسيين الذين يمكنهم أن يحشدوا مجموعة كبيرة من المناصرين، لكن تياره يبقى في النهاية جزءًا من تيار عام تشكل في 30 يونيو متحالفًا مع العسكر. أما الكتلة الثانية حزب النور الذي فقد مصداقيته داخل التيار السلفي بسبب موقفه من الانقلاب والتماهي مع السلطة. والكتلة الثالثة هي الليبراليون ولها دور فاعل في المشهد.

ثالثًا: المعارضة المفتتة
وهي متمثلة في حركة 6 إبريل وغيرها، فهي ما زالت تتحرك في الشارع، والملاحظ أن خطابهم متماهٍ مع خطاب الإخوان لكن بينهما عدم ثقة. وتبقي هذه المعارضة مشتتة وهو عيب هيكلي.

رابعا: المعارضة الصامتة والساخطة
وتعني من قاطعوا الانتخابات وهم قاعدة شعبية عريضة وموجودة في المجتمع المصري ويجب تفعيلهم فهم بذور الثورة.

خامسا: المعارضة المسلحة
ونعني بها التكفيريون وهي معارضة رافضة للدولة وتكفر الجميع، ومع أنها تلعب في الهامش لكنَّ لعبها نوعي.

الموقف الخارجي والإقليمي من الانتخابات المصرية

هنالك بعض القوى الدولية المؤثرة في الشأن المصري العام مثل أوروبا وأمريكا وإسرائيل وروسيا: فبالنسبة لأوروبا فإنها على أهميتها تبقى عاجزة والدليل على ذلك ما حدث في ليبيا، حيث ظهر أن اللاعب الأوروبي غير مؤهل للعب دوره المطلوب، حيث توجد أكثر من عوائق تحول بينهم وبين ذلك.

أما روسيا فسياستها تقوم على خلق مشاكل لأمريكا في الشرق الأوسط، ومعلوم أن جوهر العقلية الروسية امبراطوري وتوسعي. ومع أن أمريكا حاولت أن تخفف من وجودها في الشرق الأوسط نظرًا لتوجهها الاستراتيجي الجديد القائم على مواجهة الصين. وفكرة أن أمريكا تخفف من وجودها سيحدد تمامًا ماذا تريد أمريكا في الشرق الأوسط حيث تبدو ملامح سياستها الجديدة وكأنها تريد أن تملأ الفراغ عن طريق قوة محلية أو تعاون مع المحليين المساعدين وهو تعاون يشمل ما يسمى مكافحة الإرهاب أساسًا، فأمريكا لن تتدخل عسكريًا في أي نقطة من المنطقة بل ستكتفي بإرسال طائرات دون طيار، أو بتعاون مخابراتي.

وهذا يعني أن أمريكا ستؤيد الوضع الحالي في مصر فهو الحل المتاح والممكن والمقبول لديها. من المؤكد أنه لو نجحت قوى ليبرالية في الحكم في مصر لكان ذلك أكثر مناسبة للولايات المتحدة لكن هذه القوى غير موجودة.

أما إسرائيل فاستراتيجيتها المعلنة تقوم على السعي إلى تفتيت العالم العربي والحفاظ على الفجوة الحضارية والتفوق العسكري الإسرائيلي.

أما القوى الإقليمية الأخرى: فتركيا وقطر تساندان الإخوان، وهناك السعودية التي تسعى لضرب الإخوان وعدم وجود حكم ديمقراطي في مصر على أساس أن ما تقدمه السعودية نموذج إسلامي ملكي ناجح وبالتالي فهي تخاف من نموذج إسلامي غير ملكي وناجح.

ويبقى أن التفاعلات السياسية داخل مصر هي الفيصل فيما يحدث في الإقليم. 

إلى أين تتجه مصر؟

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة: 
نجاح الانقلاب من خلال مسارين: نجاح سلمي توافقي أو نجاح عنفي: والواضع أن المسار العنفي هو المرجح أكثر من المسار السلمي، ففي خطاب السيسي مفردات عنفية من أبرزها عدم القبول بالمصالحة سواء تعلق الأمر بالمقربين ومن باب أحرى المخالفون.

والاحتمال الثاني هو كسر الانقلاب إمام بطريق عنفي أو طريق سلمي.

ويعني كسره سلميًا مواصلة الحشد والتعبئة والحراك الثوري، ليس عن طريق جماعة الإخوان لكن هناك الحراك الطلابي سواء أكان منتميًا أو غير منتم. فالطلاب في النهاية هم رهان أي تغيير. أما كسر الانقلاب بمسار عنفي فهو محتمل غير أن فزاعة ليبيا واليمن وسوريا في الوقت الراهن والسودان والجزائر في السابق تؤثر دون شك على أي تفكير في هذا المسعى.

وهنالك سيناريو ثالث وهو سيناريو توافقي واحتوائي وهو أن ترضى القوى الرئيسة طوعًا أو كرهًا بما هو قائم والقبول بعدد من الخطوات السياسية ومحاولة الاستفادة من القوى التركية وإعادة البناء من الداخل. ويبقى الرهان على حركة الشارع فهي من قادت التغيير وهي من سترسم ملامح المستقبل، وما يعنيه ذلك من إعادة الوعي ومواجهة سلطة الانقلاب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 د. سيدي أحمد ولد أحمد سالم - مركز الجزيرة للدراسات

 

عدد التعليقات 0

     
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل الرقم التالي